هشاشة الزعامة العالمية: لماذا لا يبقى نظام دولي واحد إلى الأبد؟

اجنادين نيوز/ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين”

في عالم العلاقات الدولية، لا شيء يدوم. النظام العالمي الذي نراه اليوم، والذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه صخرة صلبة لا تتزحزح، هو في الحقيقة مجرد طبقة رقيقة من الجليد فوق محيط متغير من القوى والمصالح. التاريخ السياسي يعلمنا درسًا قاسيًا لا يحتمل التأويل: موازين القوى تتغير، وعادة ما تحمل فترات “الاستقرار الطويل” في أحشائها بذور الانهيار القادم.

عادة، تولد الأنظمة الكبرى من رحم الحرب. القوى المنتصرة تكتب القواعد، ترسم الخرائط، وتحتكر إدارة الاقتصاد والأمن العالمي. لكن هذه الفترة الذهبية سرعان ما تشيخ. مع مرور الوقت، تبدأ “قوى صاعدة” جديدة في الاستفادة من نفس الاستقرار الذي وفرته لها النظم القديمة، مستغلة التطور التكنولوجي والطفرة الاقتصادية. ومع اتساع الفجوة بين وزنها الحقيقي على الأرض وحجم تمثيلها في قمم صنع القرار، تشتعل التوترات.

هنا يأتي دور الصين، التي تمثل اليوم أقوى تجسيد لهذا المنطق التاريخي.

لم تكن معجزة الصين وليدة الصدفة. لقد اعتمدت بكين على نموذج تنموي فريد يجمع بين التخطيط المركزي الاستراتيجي والانفتاح الاقتصادي العدواني. النتيجة كانت قفزة صناعية جعلتها ليس مجرد جزء من الاقتصاد العالمي، بل عموده الفقري. من “مصنع العالم” إلى عملاق في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، أصبحت الشركات الصينية لاعبًا لا يمكن تجاوزه في سلاسل الإمداد والتصنيع.

لكن السؤال الأعمق ليس عن الاقتصاد، بل عن الجغرافيا السياسية.

الصين لم تكتفِ بالنمو الداخلي. أطلقت مشاريع هيكلية طموحة (كالحزام والطريق) جعلتها شريكًا محوريًا لدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن بينها اليمن التي ترى في هذه المشاريع أملًا للربط التجاري والتعافي الاقتصادي. وعلى الصعيد السياسي، تتبنى بكين خطابًا ذكيًا قائمًا على “تعددية الأقطاب” و”عدم التدخل”، وهو خطاب يجد صدى واسعًا في الجنوب العالمي الذي سئم الهيمنة الأحادية التي جربنا ويلاتها في منطقتنا العربية.

ما يحدث اليوم هو أن الصين لم تعد مجرد “قوة صاعدة” تنتظر دورها. لقد أصبحت مهندسًا رئيسيًا لإعادة تشكيل التوازنات الدولية. هي قوة لا يمكن تجاوزها في نقاش مستقبل الاقتصاد أو التجارة أو البنية الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين.

الدرس المستفاد من التاريخ، الذي نلمسه يوميًا في معاناة شعوب الجنوب العالمي، هو أن النظام القائم على هيمنة قطب واحد أو قطبين آيل للتغيير. العالم يقترب بسرعة من مرحلة جديدة من “تعددية الأقطاب”، والصين تمثل اليوم رافعة أساسية لهذا التحول نحو عالم أكثر توازنًا، عالم تستطيع فيه الدول الصغيرة أن تتنفس دون وصاية.

والسؤال المقلق ليس “هل سيتغير النظام؟” بل “كم سيكون عادلًا هذا التحول هذه المرة؟”

من واقع متابعتنا كإعلاميين، نرى أن الصين تقدم نموذجًا مختلفًا في العلاقات الدولية، نموذجًا قائمًا على المصالح المشتركة والتنمية دون شروط سياسية. وهذا ما يجعلها حليفًا موثوقًا للشعوب التي تبحث عن الاستقرار والبناء وليس عن الصراعات الوكيلة.

أكتب هذه السطور من اليمن، البلد الذي يعرف جيدًا ثمن الهشاشة الدولية والفساد السياسي للنظم القديمة. ونحن في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين” نؤمن بأن مستقبل النظام العالمي سيكون متعدد الأقطاب، وأن الصين ستبقى فيه صوتًا للعدالة والتنمية، ليس لأنها تسعى للهيمنة، بل لأنها أثبتت أن هناك طريقًا آخر لبناء القوة: طريق التعاون لا الاستغلال.

زر الذهاب إلى الأعلى