مملكة القصب.. ذاكرة الجوع بعيون طفلة عراقية

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: مسلم العسكري

في خطوة تعكس تعافي السينما العراقية واستعادتها لصوتها الإنساني، يبرز فيلم “مملكة القصب” للمخرج حسن هادي كأحد أهم الأعمال السينمائية الحديثة، لما يحمله من طرح عميق يوثق مرحلة حساسة من تاريخ العراق، بأسلوب بعيد عن المباشرة، وقريب من وجدان الإنسان.

يروي الفيلم قصة الطفلة “لميعة”، ذات التسعة أعوام، التي تُكلّف بمهمة تبدو عادية ضمن سياقها المدرسي، لكنها تتحول إلى رحلة شاقة في واقعٍ مثقل بالفقر والحرمان، خلال فترة الحصار في تسعينات القرن الماضي. إذ يُطلب منها إعداد كعكة لعيد ميلاد الرئيس، لتبدأ رحلة البحث عن مكونات شبه مفقودة في بيئة تعاني من شحٍ قاسٍ في أبسط مقومات الحياة.

يعتمد الفيلم على سرد بسيط ظاهرياً، لكنه عميق الدلالة، حيث يقدّم صورة مكثفة عن التناقض الصارخ بين السلطة واحتفالاتها، وبين معاناة الشعب اليومية. ومن خلال عيون “لميعة”، ينقل المخرج هذه المفارقة دون خطابات مباشرة، مكتفياً بتفاصيل الحياة الصغيرة التي تختصر وجع مرحلة كاملة.

ولعل ما يميز “مملكة القصب” أنه لا يستحضر ذاكرة الحصار بوصفها حدثاً تاريخياً فحسب، بل يعيد إحياء تفاصيل عاشها آلاف العراقيين آنذاك. وبالنسبة لي شخصياً، لم يكن الفيلم بعيداً عن ذاكرتي، بل بدا وكأنه يلامس جزءاً مؤلماً من طفولتي؛ تلك الطفولة التي بدأت مبكراً بالفقد، بعدما اغتيل والدي الشاب المغدور على أيدي أزلام النظام البائد وأنا لم أتجاوز عاميَّن من العمر. كما أعاد إلى ذاكرتي أيام الحرمان في الدراسة الابتدائية والمتوسطة ، وصعوبة العيش في تلك السنوات التي كانت فيها أبسط مقومات الحياة تبدو حلماً بعيداً.

أما أكثر ما منح الفيلم تأثيره الإنساني بالنسبة لي، فهو شخصية “لميعة” نفسها، التي أعادت إلى ذهني صورة ابنتي “آية”، التي تعيش اليوم في مكان وأنا في مكان آخر، رغماً عني وعنها. حتى إن الشبه بينها وبين الطفلة التي أدّت الدور بدا واضحاً إلى حدٍّ كبير، سواء في الملامح البريئة أو في العمر المتقارب، وكأن الفيلم لم يكن يروي حكاية عن الماضي فقط، بل كان يوقظ مشاعر ما تزال حيّة حتى اليوم.

بَصَرياً، يوظف العمل بيئة الأهوار والقصب في جنوب العراق، ليس فقط كخلفية جمالية، بل كرمزٍ متعدد الأبعاد؛ فالقصب هنا يعكس هشاشة الواقع، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى قدرة الإنسان على الصمود والتكيّف. هذا التوظيف الذكي للمكان منح الفيلم بعداً بَصَرياً شاعرياً، ينسجم مع ثقل الموضوع.

أما على صعيد الأداء، فقدّمت الطفلة التي أدت دور “لميعة” حضوراً لافتاً، اتسم بالعفوية والصدق، بعيداً عن التكلف، مما عزز من واقعية العمل وجعل المتلقي أكثر ارتباطاً بالشخصية وأزمتها.

لا يسعى “مملكة القصب” إلى تقديم حلول أو إجابات مباشرة، بل يضع المشاهد أمام أسئلة مفتوحة: كيف تتشكل ذاكرة الطفولة في ظل الحرمان؟ وما الذي يبقى من براءة الإنسان حين يُجبر على مواجهة واقع أكبر من عمره؟ تلك الأسئلة تمنح الفيلم بعده الإنساني، وتجعله يتجاوز كونه عملاً فنياً إلى كونه شهادة حيّة.

في المحصلة، يمثل “مملكة القصب” تجربة سينمائية ناضجة، تسهم في إعادة تعريف حضور السينما العراقية، ليس فقط كوسيلة ترفيه، بل كأداة توثيق وتأمل. وهو عمل يؤكد أن القصص الصغيرة، حين تُروى بصدق، قادرة على أن تعبّر عن أوطان بأكملها.

زر الذهاب إلى الأعلى