الخليل ليست مدينة متعبة… بل مدينة تُدار بتعب

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع الصين.

في صباحٍ عادي في الخليل، قد يحتاج مواطن إلى ساعات لينجز معاملة بسيطة، أو ليصل من حي إلى آخر. وفي صباحٍ موازٍ في مدينة شنتشن الصينية، يُنهي مواطن إجراءاته خلال دقائق ويصل إلى عمله بأقل قدر من التوتر.

الفارق ليس في ذكاء الناس… بل في طريقة إدارة المدينة.
هنا تبدأ الحكاية.

ليست المدن ما نراه فيها، بل ما نقرره أن تكونه.

وهكذا يمكن فهم التجربة الصينية؛ لا كنجاح اقتصادي فقط، بل كتحول عميق في التفكير: من إدارة الشوارع إلى إدارة الإنسان.

في مدن مثل شنغهاي وهانغتشو في الصين ، لا تبدأ القرارات من الخرائط، بل من حياة الناس. السؤال الأول ليس: أين نبني؟ بل: كيف يعيش الناس؟ كيف يتحركون؟ كيف يتعبون؟ وكيف يمكن تقليل هذا التعب؟
هذه ليست رفاهية، بل فلسفة حكم: الإنسان أولاً، وكل ما عداه وسائل.

بين مدينتين… ومسارين

الفرق بين الخليل ومدن الصين ليس في عدد الأبراج، بل في زاوية النظر.

هناك، تُدار المدينة باعتبارها مشروعاً مستمراً لتحسين حياة الإنسان.
وهنا في الخليل، كثيراً ما تُدار المدينة كاستجابة دائمة للأزمات.

في هانغتشو، تُستخدم أنظمة ذكية لتنظيم حركة السير، ليس فقط لتقليل الازدحام، بل لتقليل التوتر اليومي. الفكرة بسيطة: إذا عاد المواطن إلى بيته أقل إرهاقاً، فهو أكثر استقراراً وإنتاجاً.

أما في الخليل، فالازدحام ليس مجرد مشكلة سير، بل نتيجة واقع مركب: حواجز، انقسام جغرافي، وضغط على البنية التحتية.

لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح:
ليست كل المشكلة مفروضة… جزء منها إداري بحت.

حين لا تكون الوسائل بديلاً عن الإنسان

نجحت المدن الصينية لأنها لم تقع في فخ تحويل الإنسان إلى رقم، بل استخدمت الوسائل الحديثة لتوفير وقته.
في شنتشن مثلا، يمكن للمواطن إنهاء معاملته بسرعة، لكنه لا يُجبر على التخلي عن التواصل المباشر. الوسيلة هنا تختصر الطريق، لكنها لا تلغي العلاقة.

المعنى ببساطة:
تخفيف العبء عن المواطن، لا استبداله.

في الخليل، هذا التوازن غائب جزئياً.
الإجراءات طويلة، والنتيجة أن وقت الناس يُستهلك في التفاصيل بدل أن يُستثمر في حياتهم.

البلدة القديمة… قلب لا هامش

في الصين، لم تُهدم الذاكرة لصالح الحداثة، بل جرى احتضانها.

في شنغهاي، تعيش الأزقة القديمة بجوار الأبراج الحديثة، لا كديكور، بل كمساحات حياة: تاجر يفتح دكانه مع الصباح، شاب يعمل في مقهى صغير، عائلات تلتقي في ساحات عامة.

الخليل تملك بلدة قديمة أعمق تاريخاً.
لكن الفرق أن ما يُدار هناك كقلب اقتصادي واجتماعي، يُترك هنا أحياناً بين الإهمال والقيود.

الحقيقة الصريحة:
البلدة القديمة لا تحتاج فقط إلى ترميم… بل إلى قرار بإعادتها للحياة.

المشاركة… حين يسمع القرار صوت الشارع

في المدن الصينية، لا يُنظر إلى المواطن كمُتلقي خدمات فقط، بل كشريك فعلي.

توجد لجان أحياء، وآليات تضمن أن تصل ملاحظات الناس بسرعة، وأن تُترجم إلى قرارات.
بمعنى واضح:
القرار لا يُصنع بعيداً عن الناس.

في الخليل، حيث التعقيد أكبر، تصبح هذه المشاركة أكثر إلحاحاً.
لأن من يعيش المشكلة، يعرف تفاصيلها أكثر من أي تقرير.

الصين في الخليل… ما الذي تغيّر فعلاً؟

بعيداً عن النظريات، هناك خطوات ملموسة:

1- الطاقة الشمسية في بني نعيم: مشروع خفّف الاعتماد على مصادر خارجية، وفتح باباً نحو استقلال نسبي في قطاع حيوي.

2- تأهيل الطرق في بعض البلدات: طريق مُعبّد يعني مزارع يصل إلى أرضه، وتاجر يصل إلى سوقه دون تأخير.

3- الدعم الإنساني والتنموي: ساهم في تثبيت الناس في أرضهم في ظروف صعبة.

4-تبادل الخبرات: فتح نافذة على طرق مختلفة في إدارة المدن.

هذه ليست تفاصيل هامشية، بل إشارات إلى ما يمكن البناء عليه.

ماذا يمكن أن يفعل المجلس البلدي الجديد الآن؟

السؤال ليس عن الخطط الكبرى فقط، بل عن التغيير الملموس في حياة الناس.

1. تبسيط الخدمات
أن يتمكن المواطن من إنجاز معاملته دون أن يقضي نصف يوم في الانتظار.
هذا ليس حلماً… بل قرار إداري.

2. تفعيل الأحياء
لجان تمثل السكان فعلياً، تنقل مشاكلهم وتشارك في الحل.
حين يتكلم الحي، يصبح القرار أدق.

3. إحياء البلدة القديمة
دعم الحرفيين، فتح مساحات للمشاريع الصغيرة، تنظيم فعاليات تعيد الحركة.
حين يعود الناس، تعود الحياة.

4. التوسع في الطاقة البديلة
تجربة بني نعيم يمكن أن تتكرر.
كل سطح يمكن أن يكون مصدراً للطاقة، لا عبئاً إضافياً.

5. دعم الشباب
شاب يعمل من منزله ويصل إلى سوق خارج الحدود، أفضل من شاب ينتظر فرصة قد لا تأتي.
الفرص لم تعد مرتبطة بالمكان فقط.

6. التخطيط المرن
مشاريع صغيرة، قابلة للتوسع، لا تتوقف عند أول عقبة.
لأن الواقع لن يصبح أسهل… لكن الإدارة يمكن أن تصبح أذكى.

بصراحة … حيث يجب أن تُقال الحقيقة

الخليل لا تحتاج أن تصبح شنتشن، ولا أن تقلد شنغهاي.
ما تحتاجه هو أن تتخذ قراراً مختلفاً.

أن تنتقل من إدارة الأزمة… إلى إدارة الحياة.
من انتظار الحلول… إلى صناعتها.

والأهم من ذلك كله:
أن نعترف بأن جزءاً من المشكلة في الداخل، لا في الخارج فقط.

الخليل ليست مدينة ينقصها شيء أساسي.
هي مدينة ينقصها فقط أن تُدار بعقل يرى الإنسان أولاً… وبجرأة لا تخاف من التغيير.

زر الذهاب إلى الأعلى