طريق التنمية الخضراء: كيف ترد الصين بالفعل على التحديات المناخية العالمية

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: ريماس الصينية – الصحفية في CGTN العربية
في الخامس من يونيو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للبيئة. وفي عام ٢٠٢٦، ركزت الأمم المتحدة في هذه المناسبة على قضية ملحة تتمثل في ضرورة التحرك العاجل لمواجهة تغير المناخ. وفي مختلف أنحاء العالم، تحاول الدول تقديم إجاباتها الخاصة على هذا التحدي المرتبط بمصير البشرية. أما الصين، فقد اختصرت إجابتها في عبارة واحدة: “التحول الأخضر الشامل وبناء الصين الجميلة”.
وخلف هذه العبارة تقف منظومة متكاملة من الأفكار، وسلسلة واسعة من الإجراءات العملية، وصين حقيقية تشهد تحولات عميقة على أرض الواقع.
أولا: فلسفة تقوم على فكرة “مجتمع الحياة المشتركة بين الإنسان والطبيعة”
يقوم الفكر الصيني الخاص بالحضارة الإيكولوجية على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، وهي أن الإنسان والطبيعة يشكلان مجتمعا واحدا للحياة. وهذا يعني أن الإنسان لا يمكنه أن يضع نفسه فوق الطبيعة، ولا أن يحقق التنمية على حساب البيئة.
وأبرز تعبير عن هذه الفكرة يتمثل في المقولة الشهيرة: “المياه الصافية والجبال الخضراء هي جبال من الذهب والفضة”. هذه العبارة أصبحت اليوم معروفة على نطاق واسع داخل الصين. ومعناها بسيط: البيئة الجيدة بحد ذاتها ثروة حقيقية. فحماية البيئة ليست عائقا أمام التنمية، بل هي استثمار طويل الأمد في أهم أشكال الثروة.
في شمال الصين، توجد منطقة غابات تُعرف باسم سايهانبا. قبل ستين عاما، كانت تلك المنطقة صحراء قاحلة. لكن ثلاثة أجيال من العاملين في زراعة الغابات نجحوا خلال أكثر من نصف قرن في رفع نسبة الغطاء النباتي من ١١٪ إلى ٨٠٪، ليبنوا أكبر غابة اصطناعية في العالم. واليوم، أصبحت سايهانبا حاجزا بيئيا أخضر يحمي العاصمة بكين، كما تحولت إلى دليل حي على أن البيئة المتدهورة يمكن استعادتها، وأن عملية الاستعادة نفسها قادرة على خلق فوائد بيئية واقتصادية هائلة.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة. ففي قرية يوتسون بمقاطعة تشجيانغ، كان السكان يعتمدون سابقا على التعدين وقطع الجبال، وكانت الأتربة تملأ المكان. لكن بعد إغلاق المناجم والتحول إلى السياحة البيئية، أصبحت القرية اليوم نموذجا ناجحا لفكرة “المياه الصافية والجبال الخضراء هي جبال من الذهب والفضة”. ومن سايهانبا إلى يوتسون، تنقل هذه القصص الرسالة نفسها: يمكن تغيير طريقة التنمية، وغالبا ما تكون نتائج هذا التغيير أكبر مما كان متوقعا.
عشرة أعوام من الممارسة… تحول أخضر عميق
إذا بقيت الأفكار مجرد شعارات، فلن يكون لها معنى. وخلال السنوات العشر الماضية، شهدت الصين تحولا أخضر شاملا شمل مختلف القطاعات، في استجابة عملية للدعوات العالمية الملحة بشأن العمل المناخي.
تغير في هيكل الطاقة: أنشأت الصين أكبر منظومة لتوليد الكهرباء النظيفة في العالم. وتشير البيانات إلى أن استهلاك الطاقة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي انخفض خلال العقد الماضي بنسبة ٢٧٪، بينما انخفضت كثافة انبعاثات الكربون بنسبة ٣٤ ٪. وحتى نهاية عام ٢٠٢٥، بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة في الصين ٢.٣٤مليار كيلوواط، أي أكثر من ٦٠٪ من إجمالي القدرة الكهربائية في البلاد. وفي صحارى الغرب الصيني، تمتد ألواح الطاقة الشمسية تحت أشعة الشمس فيما يشبه “بحرا أزرق” كما يسميه السكان المحليون، بينما تدور توربينات الرياح العملاقة على طول السواحل الشرقية. هذه المشاهد أصبحت اليوم من أبرز معالم خريطة الطاقة الجديدة في الصين.
تغير في هيكل الصناعة: الصين هي أكبر دولة صناعية في العالم، وهذا يعني أن عملية التحول الصناعي فيها شديدة التعقيد. ومع ذلك، تشير البيانات إلى أن الصين استطاعت خلال العقد الماضي تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي بلغ ٦.٧٪ مقابل نمو سنوي في استهلاك الطاقة لا يتجاوز ٣.١٪. وفي الوقت نفسه، تخضع الصناعات التقليدية كثيفة الاستهلاك للطاقة لعمليات تحديث واسعة النطاق، بينما أصبحت السيارات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم، ومنتجات الطاقة الشمسية — والتي تُعرف في الصين باسم “الصناعات الثلاث الجديدة” — من أهم ركائز الصادرات الصينية. وفي عام ٢٠٢٥، احتلت الصين المرتبة الأولى عالميا في إنتاج ومبيعات السيارات الكهربائية للعام العاشر على التوالي.
تغير في أنماط الحياة: بدأت مدن صينية كثيرة في تطبيق أنظمة فرز النفايات، وأصبحت الدراجات المشتركة مشهدا يوميا في الشوارع، كما انتشرت السيارات الكهربائية في مواقف المنازل بشكل متزايد. وقد تبدو هذه التغييرات صغيرة، لكنها مجتمعة تشكل حركة خضراء واسعة يشارك فيها المجتمع بأكمله.
لماذا تهم التجربة الصينية العالم؟
أولا، لأن حجم الصين يجعل تأثيرها عالميا.
فالصين ليست فقط أكبر منتج ومستهلك للطاقة المتجددة في العالم، بل أيضا أكبر مصنع لمعدات الطاقة النظيفة. وخلال العقد الماضي، شكلت القدرة المركبة للطاقة المتجددة في الصين ٤١٪ من الإجمالي العالمي. وهذا يعني أن كل خطوة تخطوها الصين في التحول الأخضر تحمل أثرا واضحا على العالم كله.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الانخفاض في الانبعاثات الناتج عن تحسين هيكل الطاقة في الصين خلال عام ٢٠٢٥ عوض معظم الزيادة المسجلة في مناطق أخرى من العالم. وبالتالي، فإن مساهمة الصين ليست مجرد إضافة هامشية، بل عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في مواجهة تغير المناخ.
ثانيا، لأن التجربة الصينية تقدم نموذجا يمكن الاستفادة منه.
فالتحول الأخضر في الصين يجري في وقت لا تزال فيه عملية التصنيع مستمرة، وفي ظل ناتج محلي للفرد تجاوز بالكاد عشرة آلاف دولار. وهذا يشبه إلى حد كبير أوضاع كثير من الدول النامية اليوم.
ولم تسلك الصين الطريق التقليدي القائم على “التلوث أولا ثم المعالجة لاحقا”، بل سعت إلى استكشاف مسار جديد يوازن بين التنمية والتحول الأخضر في آن واحد. وكما أشار الباحث وانغ بين بين من جامعة بكين، فإن “تطوير الصين لقطاع الطاقة الجديدة قدم مساهمة مهمة في تعزيز حرية الطاقة على مستوى العالم، وخاصة بالنسبة للدول النامية التي أصبحت تمتلك خيارات أوسع في مجال الطاقة”.
والأهم من ذلك أن الصين قدمت مسارا عمليا وقابلا للاستفادة.
فخلال السنوات العشر الماضية، انخفضت تكلفة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية بشكل كبير بفضل التطور الصناعي والتكنولوجي في الصين. ووفقا لبيانات القطاع، انخفض سعر تصدير ألواح الطاقة الشمسية الصينية في الربع الأول من عام ٢٠٢٦ إلى ما بين ٠.٠٨٥ و٠.٠٩٥ دولار أمريكي لكل واط، مقارنة بأكثر من دولار واحد قبل عشر سنوات، أي بانخفاض تجاوز ٩٠٪.
ولم يعد انخفاض أسعار الطاقة النظيفة يمثل إنجازا صينيا فحسب، بل أصبح منفعة عالمية أيضا، لأنه يمنح كثيرا من الدول النامية فرصة لتجاوز نموذج التنمية التقليدي عالي الانبعاثات، والانتقال مباشرة إلى استخدام الطاقة النظيفة.
التحديات والاستمرار
بطبيعة الحال، لا تخلو هذه الطريق من التحديات. فما يزال الفحم يشكل نسبة مرتفعة نسبيا من هيكل الطاقة في الصين، كما أن الانتقال من الاقتصاد عالي الكربون إلى الاقتصاد منخفض الكربون يحتاج إلى وقت وتكاليف كبيرة. كذلك تواجه بعض القطاعات التقليدية ضغوطا تتعلق بتحويل العمالة وإعادة هيكلة الوظائف.
أما تحقيق أهداف “الكربون المزدوج” — أي الوصول إلى ذروة الانبعاثات قبل عام ٢٠٣٠ وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام ٢٠٦٠ — فهو معركة صعبة لا توجد لها طرق مختصرة.
ورغم ذلك، لم تبطئ الصين خطواتها. فقد أكد تقرير عمل الحكومة لعام ٢٠٢٦ هدف خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنحو ٣.٨٪، كما تم تعديل مؤشرات الخطة الخمسية الخامسة عشرة من “كثافة استهلاك الطاقة” إلى “كثافة انبعاثات الكربون”.
ويعكس ذلك تحولا عميقا في فلسفة الإدارة البيئية: من التركيز على “كمية الطاقة المستخدمة” إلى التركيز على “كمية الكربون المنبعثة”، بما يعني أن السياسات أصبحت أكثر دقة وفعالية.
من العمل إلى التوافق العالمي
من الفكرة إلى التطبيق، ومن الداخل الصيني إلى التأثير العالمي، تحاول الصين أن تقدم بطريقتها الخاصة إجابة عملية على سؤال إلحاح العمل المناخي.
فاليوم العالمي للبيئة لا يهدف فقط إلى تذكير الناس بالمشكلات البيئية، بل أيضا إلى دفع الدول لاتخاذ إجراءات ملموسة.
وقد بدأت هذه الإجراءات بالفعل في الصين — تحت ألواح الطاقة الشمسية في الصحارى، وفي البساتين البيئية داخل القرى، وعلى متن الحافلات الكهربائية في المدن، وفي الخيارات اليومية للمواطنين العاديين. وهذه الجهود المتراكمة لا تغير الصين وحدها، بل تؤثر في العالم أيضا.
“التحول الأخضر الشامل وبناء الصين الجميلة” ليس مجرد هدف داخلي لدولة واحدة، بل مساهمة صينية في الحوكمة البيئية العالمية. وكما لاحظ الباحث البرازيلي إدسون بريست، “فإن خبرات الصين في تحسين جودة الهواء، ومكافحة التلوث، والتعامل مع قضايا المناخ، تستحق أن تُطرح بصورة أوسع في مؤتمرات مثل COP 30”.
وتحاول الصين أن تثبت أن التنمية وحماية البيئة ليستا متعارضتين، وأن النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات يمكن أن يسيرا معا.
وبالتأكيد، لا يمكن لدولة واحدة وحدها أن تحل أزمة المناخ العالمية. لكن بالمشاركة تستطيع كل دولة أن تبذل ما في وسعها على أرضها الخاصة. والصين تواصل السير في هذا الطريق، نحو عالم أكثر نظافة وجمالا واستدامة — وهو في النهاية حلم يشترك فيه الجميع.




