فلسفة الصبر الصيني.. عندما تصبح الثقة الشعوبية أعظم استثمار

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين”

في زمن تتسارع فيه نبضات الأحداث، وتتصاعد حدة الصراعات، وتشتعل المنافسة بين عمالقة العالم، تظهر الصين وكأنها تعزف على وتر مختلف تماماً. فبينما يلهث آخرون وراء المكاسب السريعة ولو على حساب الاستقرار، تختار بكين طريقاً آخر قائماً على الصبر الاستراتيجي، والتخطيط الذي يمتد لعقود، والابتعاد الواعي عن ردود الفعل الهائجة. واليوم، ومع التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل ملامح العالم وتوجهه نحو تعددية قطبية أكثر وضوحاً، تبرز الصين كواحدة من أكثر القوى الدولية اتزاناً وهدوءاً، حيث يركز خطابها السياسي على التنمية والشراكة والمصالح المشتركة، بعيداً عن لغة المواجهة والصراع.

وما يخطف الأضواء في العالم العربي هو ذلك الحجم الهائل من الثقة الشعبية التي تحظى بها الصين. فلمجرد الإعلان عن مشروع استثماري أو اتفاقية تعاون مع الصين، يتولد لدى الناس شعور فطري بالتفاؤل والطمأنينة، حتى قبل أن تنطلق أول جرافة أو يُصب أول أساس. كأن مجرد حضور الصين في أي مشروع يمنح الناس قدراً من الثقة بنجاحه، وكأنها ضمانة ناعمة لا تحتاج إلى دليل. وهذه الثقة لم تأت من فراغ، ولا هي من بنات اللحظة، بل تشكلت عبر سنوات طويلة من حضور صيني مختلف قوامه الاستثمار الحقيقي، والبناء الملموس، وتطوير البنية التحتية، والتعاون الاقتصادي النقي، بعيداً عن التدخلات السياسية المباشرة التي تركت جروحاً غائرة في ذاكرة كثير من الشعوب العربية مع تجارب دولية أخرى.

المواطن العربي البسيط لم يعد ينظر إلى الأرقام الضخمة والإحصاءات الباردة، بل ينظر بعينيه إلى الطريق الجديد الذي يربط قريته بالمدينة، والميناء الذي يستقبل سفن الشحن، والمشروع الذي تحول من حبر على ورق إلى واقع ملموس يلامس بالأيدي. إن ما يمنح الصين هذه المكانة الفريدة ليس فقط قوتها الاقتصادية الهائلة، بل الصورة الذهنية التي نسجتها عن نفسها بعناية وصدق: دولة تفضل الحوار على الصدام، والتنمية على الهيمنة، والشراكة على الإملاء. ولهذا السبب، تتسع دائرة الثقة بها يوماً بعد يوم في مناطق كثيرة من العالم، وكأنها أصبحت مرادفاً للبديل الآمن. ومع استمرار تشكل النظام الدولي الجديد، تقف الصين أمام اختبار حقيقي للحفاظ على هذه الصورة الإيجابية الناصعة، فالعالم اليوم لم يعد يبحث فقط عن قوة اقتصادية عظمى، بل يبحث عن قوة قادرة على تقديم نموذج أكثر توازناً وحكمة وسلاماً في إدارة العلاقات الدولية.

وفي الاخير ، تبقى الثقة هي أندر وأثمن عملة يمكن أن تمتلكها أي دولة. والصين، حتى الآن، نجحت في بناء رصيد ضخم من هذه الثقة لدى شعوب كثيرة، وعلى رأسها الشعوب العربية التي تنظر إلى التجربة الصينية بعيون مليئة بالاهتمام المتزايد والأمل الكبير، بأن تسهم شراكاتها في تحقيق التنمية والاستقرار، وزرع الازدهار في ربوعها.

زر الذهاب إلى الأعلى