من الفرات إلى النيل حوار في الوعي الذاتي والصوت الداخلي
من ضفاف الفرات إلى وادي النيل، إلى الصديق العزيز الأستاذ خالد الحافظ

احنادين نيوز / ANN
بقلم المفكر التنويري فرقد الاغا
صديقي العزيز…
منذ زمن بعيد وأنا أؤمن أن أجمل الأسئلة ليست تلك التي نعثر لها على إجابات سريعة، بل تلك التي ترافقنا كلما ازددنا معرفة لتدفعنا إلى إعادة النظر في كل ما نظنه بديهياً، فهي لا تُرهق العقل بقدر ما توقظه ولا تُغلق أبواب التفكير، إنما تفتحها على آفاق أوسع، وربما لهذا السبب كانت الفلسفة في جوهرها فن السؤال أكثر من كونها فن الجواب.
ومن بين جميع الأسئلة التي شغلتني ظل سؤال واحد يراودني كلما قرأت في الفلسفة أو علم النفس أو علوم الأعصاب كيف ندرك أننا موجودون؟ كيف يعرف الإنسان أنه هو وأنه ليس مجرد سلسلة من العمليات البيولوجية الصامتة؟ وكيف نستطيع أن نتحدث مع أنفسنا في صمتٍ كامل، ثم نستمع إلى ذلك الحديث الداخلي في أعماقنا بوضوح مع أنه لا وجود لأي موجة صوتية، ولا تتحرك الحبال الصوتية ولا تلتقط الأذن شيئاً؟ ولماذا نشعر بصورة تلقائية أن الأفكار التي تدور في أذهاننا هي أفكارنا نحن وليست أفكار شخص آخر؟ ومن أين يأتي هذا الإحساس العميق بملكية الفكرة حتى قبل أن ننطق بها أو نكتبها؟
ثم أخذت الأسئلة تتسع شيئاً فشيئاً، هل العقل هو الدماغ ذاته أم أن بينهما اختلافاً في المفهوم والوظيفة؟ وهل الدماغ مجرد عضوٍ بيولوجي أم أنه الوسيط الذي تتجلى من خلاله عمليات التفكير والوعي؟ وهل يمكن عده حاسة من الحواس، أم أنه المنظومة التي تنسق عمل الحواس جميعاً دون أن يكون واحدة منها؟ ومن الذي يتكلم في أعماقنا حين نصمت؟ ومن الذي يسمع ذلك الكلام؟ وإذا كان الصوت يحتاج في العالم الخارجي إلى ذبذباتٍ وهواء وأذن تستقبله، فمن أين يأتي هذا الصوت الداخلي الذي نختبره جميعاً مع أنه لا يمر بأي وسيط حسي؟
هذه الأسئلة كما تعلم لم تعد حكراً على الفلسفة، بل أصبحت من أكثر القضايا حضوراً في علم النفس والعلوم المعرفية وعلوم الأعصاب، فقد نجح العلم في تفسير كثير من وظائف الدماغ وكشف شيئاً فشيئاً عن الشبكات العصبية المسؤولة عن الإدراك واللغة والذاكرة والانفعال، لكنه ما زال يقف أمام واحدة من أعقد المشكلات وهي الكيفية التي تتحول بها الإشارات العصبية إلى خبرة ذاتية يعيشها الإنسان من الداخل ويشعر بأنها تخصه وحده. إننا نعرف الكثير عن النشاط العصبي لكننا ما زلنا نبحث عن تفسير يوضح كيف يصبح هذا النشاط تجربة واعية وكيف تتحول الفكرة إلى (فكرتي) والصوت إلى (صوتي الداخلي).
ولأنك تنظر إلى الإنسان بعين عالم النفس لا بعين الفيلسوف وحده رأيت أن أشاركك التصور الذي أخذ يتشكل في ذهني عبر سنوات من القراءة والتأمل، وأطلقت عليه اسم نظرية [ التكامل الإدراكي للوعي الذاتي ] وهي ليست محاولة لإحياء تفسير ميتافيزيقي جديد ولا لإضافة قوة غامضة إلى الإنسان بقدر ما هي محاولة للبحث عن تفسير طبيعي يفسر الوعي الذاتي والصوت الداخلي والإحساس بملكية الأفكار، انطلاقاً من تكامل العمليات المعرفية والعصبية نفسها.
وقد بدأت رحلتي من ملاحظة بسيطة، فنحن حين ننظر إلى العالم تمدنا الحواس بالضوء واللون وبالصوت والرائحة وبالملمس والحرارة وسائر الخبرات الحسية، غير أن الحواس مهما بلغت دقتها لا تصنع المعنى بنفسها ولا تبني فكرة ولا تنشئ خيالًا ولا تمنح الأشياء أسماءها ودلالاتها، إنها تقدم المادة الخام فقط أما المعنى فلا يولد إلا بعد أن تدخل هذه المعطيات في منظومة أكثر تعقيداً تعيد ترتيبها وتربطها بالذاكرة والانفعال والخبرة السابقة واللغة، حتى تتحول من مجرد إشارات متناثرة إلى تجربة إنسانية مكتملة.
ولعل أقرب تشبيه لذلك مؤسسة كبيرة، حيث أن كل قسم يؤدي عمله بصورة مستقلة، لكن المؤسسة لا تصبح كياناً واحداً إلا عندما تُجمع هذه الأعمال في مركز أعلى يعيد تنظيمها وربطها ببعضها، ثم ينسبها إلى صاحب المؤسسة، وبصورة مشابهة يستقبل الدماغ المعلومات الحسية ويستدعي الذكريات ويعالج اللغة والانفعالات ثم يعيد تنظيم هذه العناصر في صورة خبرة موحدة يشعر الإنسان بأنها تجربته الخاصة لا مجرد نشاط عصبي يحدث داخله.
هنا حيث نقطة الإنطلاق بدأت تتبلور أمامي الفكرة الأساسية للنظرية وهي أن الوعي الذاتي لا ينشأ بمجرد معالجة المعلومات، بيد إنها نتيجة تكامل مستويات متعددة من النشاط الإدراكي تعمل معاً حتى تتحول المعالجة العصبية إلى خبرة ذاتية، ومن هذا التكامل لا ينشأ الوعي الذاتي وحده بل ينشأ أيضاً الصوت الداخلي والإحساس بملكية الأفكار واستمرار الهوية الشخصية.
في هذه اللحظة أدركت أن ما نسميه الصوت الداخلي ليس صوتاً بالمعنى الفيزيائي ولا قوةً غامضة تعمل خلف الحواس، الحق إنها ظاهرة معرفية معقدة، فنحن لا نسمع بأذننا ولا تتكون موجات صوتية داخل رؤوسنا ومع ذلك نحاور أنفسنا ونراجع قراراتنا ونستعيد الحوارات الماضية ونخطط للمستقبل، وكأن شخصاً آخر يتحدث إلينا. والحقيقة وفق تقديري أن الدماغ يعيد تمثيل النشاط اللغوي داخلياً ويستحضر الصور السمعية المخزونة في الذاكرة، ثم يربطها بالذات فينشأ الإحساس بالاستماع لا لأن هناك صوتاً حقيقياً بل لأن التجربة الإدراكية تُبنى بطريقة تجعل الفكر يبدو وكأنه يُسمع.
ومن هذه النقطة تحديداً بدأت ملامح [ نظرية التكامل الإدراكي للوعي الذاتي ] تتشكل بصورة أوضح، إذ لم يعد السؤال عندي كيف يفكر الإنسان؟ بل أصبح كيف يعرف أنه هو الذي يفكر؟ وكيف تتحول العمليات العصبية الصامتة إلى تجربة يشعر فيها الإنسان بأنه المتكلم، وهو في الوقت نفسه المستمع وأن الفكرة التي مرت في ذهنه ليست مجرد نشاط عصبي إنما جزء من هويته ومن وعيه بذاته؟
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو ما الذي يحدث بين لحظة استقبال المعلومة ولحظة شعور الإنسان بأنها أصبحت جزءاً من خبرته الذاتية؟ وكيف تنتقل الإشارات العصبية من كونها نشاطا بيولوجيا إلى تجربة شعورية يقول فيها الإنسان ( أنا أفكر وأنا أسمع صوتي الداخلي وهذه فكرتي ) .
ومن أجل الاقتراب من الإجابة عن هذا السؤال وجدت أن الوعي الذاتي لا يمكن تفسيره بوصفه وظيفة معزولة، ولا بأعتباره نتيجة مباشرة لنشاط منطقة واحدة في الدماغ، هو ثمرة تكامل مستويات متعددة من المعالجة الإدراكية تعمل في الوقت نفسه بحيث لا يكتمل أحدها إلا بالآخر، ومن هنا انطلقت نظرية التكامل الإدراكي للوعي الذاتي.
وتقوم هذه النظرية على أن الدماغ لا ينتج الوعي الذاتي بمجرد معالجته للمعلومات، ولكن تمر المعلومات عبر سلسلة من العمليات المتكاملة حتى تتحول إلى خبرة يشعر الإنسان بأنها تخصه.
ومثال المؤسسة الذي أشرت إليه مسبقاً حيث تستقبل أقسامها المختلفة البيانات ويعالج كل قسم ما يدخل في اختصاصه، ثم تُجمع النتائج في إدارة عليا تعيد تنظيمها وتربطها بعضها ببعض وتخرج منها بقرار واحد يحمل هوية المؤسسة كلها ؛ كذلك يعمل الدماغ فهو لا يتعامل مع العالم بوصفه كتلة واحدة إنما تستقبل شبكاته المعلومات الحسية وتستدعي الذاكرة وتعالج اللغة والانفعالات، ثم يعاد تنظيم كل ذلك في صورة تجربة واحدة متماسكة يشعر الإنسان بأنها تجربته الشخصية.
وعلى ضوء ذلك ميزت النظرية بين ثلاثة مستويات مترابطة.
فالمستوى الأول هو المعالجة العصبية الأولية وفيه تستقبل الحواس معطيات العالم الخارجي، وتنشط الشبكات المسؤولة عن الإدراك الحسي واللغة والذاكرة والانفعالات، فتتكون المادة الأولية التي ستُبنى عليها الخبرة.
أما المستوى الثاني هو المعالجة غير الواعية حيث تُجرى عمليات معرفية معقدة خارج دائرة الانتباه المباشر، ففي هذا المستوى تمتزج الخبرات السابقة بالمعلومات الجديدة، وتُستدعى الذكريات وتُقارن الأنماط وتُهيأ الاستجابات دون أن يشعر الإنسان بالتفاصيل الدقيقة لما يجري.
ثم يأتي المستوى الثالث وهو المستوى التنظيمي الأعلى الذي لا يكتفي بدمج هذه العمليات، بل يربطها بالذات نفسها فيمنحها الإحساس بالهوية والملكية الشخصية.
في هذه المرحلة أصل إلى ما أراه الإضافة الجوهرية في هذه النظرية، وهو ما أسميته ( الإسناد الذاتي المعرفي ) .
في تقديري لا يكفي أن ينتج الدماغ فكرة حتى يشعر الإنسان بأنها فكرته. إن إنتاج الفكرة شيء ونسبتها إلى الذات شيء آخر، ولذلك فإن الإنسان لا يكتفي بأن يفكر ، هو يشعر في اللحظة نفسها أن الذي يفكر هو ( أنا ) وأن هذه الفكرة تخصني وأنها جزء من عالمي الداخلي.
ولهذا لا أقصد بالإسناد الذاتي المعرفي مجرد مراقبة الإنسان لأفكاره ولا ما يسميه بعض الفلاسفة التفكير في التفكير، أقصد تلك العملية الإدراكية التي تمنح الخبرة العقلية هويتها الذاتية وتجعل النشاط العصبي يتحول إلى تجربة شخصية يشعر الإنسان بأنها ملك له.
لذا يصبح تفسير الصوت الداخلي أكثر وضوحاً، فنحن عندما نستمع إلى شخص يتحدث تقوم الأذن بالتقاط الذبذبات الصوتية وتحويلها إلى إشارات عصبية يعالجها الدماغ، أما عندما نتحدث مع أنفسنا، فلا وجود لأي ذبذبات ولا يتحرك الهواء ولا تعمل الحبال الصوتية ومع ذلك نشعر أننا نستمع إلى كلمات واضحة.
وفي تصوري لا يحدث ذلك لأن ثمة صوتاً خفياً، بل لأن الدماغ يعيد تمثيل النشاط اللغوي داخلياً ، ويستدعي الأنماط السمعية المخزونة في الذاكرة ويُفعّل الشبكات المسؤولة عن إنتاج اللغة وفهمها، ثم يربط هذا النشاط بنموذج الذات عبر عملية الإسناد الذاتي المعرفي، فينشأ الإحساس بأننا نستمع إلى حديث داخلي مع أن ما يحدث في الحقيقة ليس إلا تمثيلاً معرفياً عالي التنظيم.
ولهذا فإن الصوت الداخلي ليس صوتاً بالمعنى الفيزيائي بقدر ماهو خبرة إدراكية يولدها الدماغ حين يعيد تنظيم النشاط اللغوي داخل إطار الوعي بالذات.
ولذلك وجدت نفسي مضطرا إلى إعادة النظر في العلاقة بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما اختلطت في الأذهان ( النفس والعقل والدماغ ) .
فالنفس في تصوري ليست شبحاً غيبياً منفصلاً عن الجسد، هي النظام البيولوجي والنفسي المتكامل الذي يضم الوعي واللاوعي والانفعالات والذاكرة والفكر وسائر العمليات النفسية.
أما العقل ليس عضواً مستقلاً وإنما الوظيفة الإدراكية العليا داخل هذا النظام، فهو الذي ينظم التفكير ويحلل ويقارن ويستدل ويعيد بناء الخبرة الإنسانية.
وأما الدماغ فهو البنية البيولوجية التي تجعل كل ذلك ممكناً. إنه ليس حاسة من الحواس بل الجهاز المركزي الذي يستقبل المعلومات الحسية ويعالجها ويعيد تنسيقها في صورة واحدة متماسكة.
ومن هذا المنطلق لم يعد الإنسان في نظري مجموعة أعضاء تعمل بصورة منفصلة، إنما منظومة متكاملة تتفاعل فيها جميع المستويات باستمرار.
فاللاوعي يمثل الخزان العميق الذي يحتفظ بالذكريات والخبرات والرغبات والانفعالات والأنماط النفسية المتراكمة، سواء كان بعضها حاضراً في الوعي أم بقي كامناً خارجه، أما الوعي الذاتي فهو قدرة الإنسان على الالتفات إلى ذاته، ومراقبة أفكاره وتأمل انفعالاته وإدراك بيئته والشعور باستمرار هويته عبر الزمن.
وحين يتفاعل هذان المستويان داخل النظام الإدراكي الأعلى تتولد معظم خبراتنا العقلية، وفي مقدمتها الصوت الداخلي
الذي هو ليس صوتاً يأتي من الخارج ولا قوة غامضة تختبئ وراء المحسوسات، بل نتيجة طبيعية لتفاعل الوعي الذاتي مع اللاوعي داخل بنية عصبية شديدة التعقيد.
فاللاوعي يغذي الخبرة والوعي ينظمها والعقل يعيد تمثيلها والدماغ يوفر الأساس البيولوجي الذي يسمح لكل ذلك أن يتحقق في صورة تجربة واحدة متماسكة، وعندئذ فقط يستطيع الإنسان أن يقول ( هذه فكرتي وهذا صوتي الداخلي وهذا أنا ) .
وكلما تعمقت في هذه الفكرة ازدادت قناعتي بأن ما نسميه الصوت الداخلي ليس ظاهرة مستقلة، وإنما أحد وجوه الوعي الذاتي، إذ هو ليس مجرد حديث صامت يدور في أعماقنا، كما أنه تعبير عن الطريقة التي ينظم بها الإنسان خبرته العقلية ويعيد إدراكها بوصفها جزءاً من ذاته.
ومن هذا المنطلق إن النظرية لا تفسر الحديث الداخلي فحسب، بل تذهب الى أبعد من ذلك حيث تفسر شعور الإنسان بأن أفكاره تخصه، فإنتاج الأفكار وحده لا يكفي لتكوين هذا الإحساس، إذ لا بد من وجود عملية معرفية تُسند هذه الأفكار إلى الذات وعندما تعمل هذه العملية بصورة طبيعية يشعر الإنسان أن أفكاره صادرة عنه، وأنها امتداد لهويته الشخصية، أما إذا اختل هذا النظام لربما تظهر اضطرابات يشعر فيها الإنسان بأن أفكاره ليست ملكاً له أو أنها زُرعت في ذهنه أو أن قوة أخرى تتحكم بها، وهي ظواهر معروفة في بعض الاضطرابات النفسية والعصبية الأمر الذي يمنح هذه النظرية بعداً سريرياً يجعلها قابلة للدراسة والاختبار.
ولذلك لم أنظر إلى هذه الرؤية بوصفها قطيعة مع النظريات المعاصرة في فلسفة العقل والعلوم المعرفية، بل هي محاولة للبناء عليها والاستفادة من منجزاتها فهي تتفق مع نظرية الرتبة العليا في أهمية التمثيل المعرفي، ومع نظرية فضاء العمل العالمي في أن الوعي يقوم على تكامل الشبكات العصبية، كما تنسجم مع نظرية المعالجة التنبؤية في النظر إلى الدماغ بوصفه نظاماً ديناميكياّ يتوقع العالم ويعيد بناءه باستمرار وتستفيد من نظرية نموذج الذات في أهمية الصورة التي يبنيها الدماغ عن نفسه.
غير أنني أرى أن هذه المقاربات على أهميتها ما زالت تترك سؤالاً مفتوحاً كيف تنتقل المعالجة العصبية من كونها نشاطاً معرفياً إلى خبرة يشعر الإنسان بأنها تخصه شخصياً؟ ومن هنا جاءت فكرة الإسناد الذاتي المعرفي بوصفها الحلقة التنظيمية التي تمنح الخبرة العقلية هويتها الذاتية وتجعل الإنسان لا يفكر فحسب بل يعرف أنه هو الذي يفكر.
وأنا لا أدعي أن هذا التصور يحل نهائياً ما يسميه فلاسفة العقل المشكلة الصعبة للوعي؛ أي السؤال عن الكيفية التي يتحول بها النشاط العصبي إلى شعور حي وتجربة ذاتية مباشرة، فما تزال هذه القضية من أعقد المسائل الفلسفية والعلمية، غير أنني أعتقد أن التفسير الوظيفي والتنظيمي يضيق هذه الفجوة لأنه لا يبحث عن قوة غامضة تضاف إلى الدماغ، وإنما يفسر كيف يؤدي تكامل العمليات الإدراكية إلى نشوء الخبرة الذاتية.
ومن هذا المنظور فإن إحساس الإنسان بملكية أفكاره ليس ظاهرة منفصلة عن الوعي، هي نتيجة طبيعية لتنظيم معرفي أعلى يمنح الفكر شعور الهوية والسيطرة، وكذلك إن المعنى والقيم والخبرة الإنسانية لا تُنفى بهذا التفسير، وإنما تُفهم بوصفها نظماً معرفية ناشئة عن الأساس العصبي دون أن ينتقص ذلك من بعدها الإنساني أو من عمقها الوجودي.
ولأن أي نظرية لا تكتسب قيمتها بمجرد جمالها الفلسفي، إنما بقدرتها على مواجهة الاختبار، فقد سعيت إلى أن تكون هذه الرؤية قابلة للفحص العلمي، فمن حيث المبدأ يمكن دراسة العلاقة بين شبكات اللغة والذاكرة والوظائف التنفيذية وشبكات تمثيل الذات أثناء حدوث الصوت الداخلي باستخدام تقنيات تصوير الدماغ الحديثة، كما يمكن مقارنة هذه الأنماط بما يحدث لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات في الإحساس بملكية الأفكار أو باضطرابات الهوية لمعرفة مدى صحة الفرضيات التي تقوم عليها النظرية.
ولعل هذا ما يجعلني أتعامل معها بوصفها مشروعاً علمياً مفتوحاً للنقد والتطوير لا بوصفها يقيناً مغلقاً، إذ أن النظرية التي لا تسمح باختبارها تظل أقرب إلى التأمل، أما النظرية التي تقبل المراجعة فقد تمتلك فرصة حقيقية للإسهام في المعرفة.
ومع ذلك إنني أرى أن فهم هذا النظام لا يقتصر على المختبرات والأجهزة ومن الضروري أن يبدأ أيضا من التجربة الإنسانية اليومية، فالانتباه إلى الذات والتأمل والكتابة التي توثق الخواطر والحوار الصادق وملاحظة الأحلام والانفعالات العميقة كلها ممارسات تساعد الإنسان على إدراك أثر اللاوعي في حياته وتكشف بصورة أوضح كيفية تشكل صوته الداخلي، حيث إنها لا تخلق هذه الظاهرة بل تجعلنا أكثر وعياً بها وأكثر قدرة على فهمها.
لذا إن ما أسميه النظام التفاعلي بين الوعي الذاتي واللاوعي ليس عضواً داخل الدماغ ولا منطقة تشريحية بعينها، بل آلية تنظيمية تنشأ من تفاعل شبكات متعددة تتكامل فيها الذاكرة واللغة والانفعال والإدراك وتمثيل الذات، فتولد الخبرة الإنسانية في صورتها الواعية، ومن وظائف هذا النظام تنظيم الحديث الداخلي وتحقيق التكامل الذهني والمراقبة الذاتية والتخطيط واتخاذ القرار والتفاعل المنسق مع العالم.
وعند هذه النقطة لم يعد الدماغ في نظري سوى الوسيط البيولوجي الذي يسمح لهذه العمليات أن تحدث، أما الخبرة الإنسانية نفسها فلا يمكن اختزالها في خلية عصبية أو منطقة دماغية منفردة لأنها ثمرة التفاعل الكلي بين مستويات الإدراك المختلفة.
ولهذا انتهيت إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجموعة عمليات عصبية متفرقة، بل بوصفه نظاماً معرفياً متكاملاً، حيث أن الوعي الذاتي والصوت الداخلي وملكية الأفكار واستمرار الهوية الشخصية ليست ظواهر منفصلة، بل وجوه مختلفة لعملية تنظيمية واحدة تجعل الإنسان لا يفكر فحسب، إنما يعرف أنه يفكر ويشعر أن أفكاره تنتمي إليه ويدرك ذاته بوصفها ذاتاً مستمرة عبر الزمن.
صديقي العزيز… ما أبعثه إليك ليس بحثاً أطلب له التصديق ولا فكرة أرجو لها الإعجاب بقدر ما هو مشروعاً فكرياً أطمح أن يمر أولاً عبر ميزان النقد، وأنت تعلم أن الفكرة لا تنضج في عزلة، وإنما يشتد عودها حين تواجه الأسئلة الصعبة والاعتراضات الجادة، لذلك أكتب إليك وأنا أرجو أن تقرأ هذه الرسالة بعين الباحث المتجرد قبل عين الصديق وأن ترى فيها ما يستحق المراجعة وما يستحق التأمل، وسأوافيك بمسودة البحث التفصيلية لاحقاً والتي أخذت بنظر الإعتبار كافة الشروط العلمية الواجب توافرها لتكون بمصاف النظريات العلمية .
ومن ضفاف الفرات حيث تعلمت أن الماء لا يبقى حياً إلا إذا ظل جارياً، إلى ضفاف النيل حيث تعلمت الحضارة أن كل معرفة تبدأ بسؤال، أمد إليك يدي لا لأقدم يقين جامد بقدر ما اريد أن أفتح معك باب حوار أرجو أن يمتد بين الفلسفة وعلم النفس وعلوم الأعصاب، لنقترب خطوة أخرى من فهم إحدى أكثر الظواهر الإنسانية عمقاً وإثارة، ألا وهي كيف يصبح الإنسان واعياً بذاته؟ وكيف يولد في أعماقه ذلك الصوت الذي لا تسمعه الأذن لكنه ربما يكون أوضح الأصوات التي عرفها الإنسان.
صديقك المحب
المفكر التنويري فرقد الأغا




