هل خسرت فلسطين مكانتها العربية أم أننا لم نعد نفهم ما الذي تغير؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم:المهندس غسان جابر
من السهل أن نلقي اللوم على الآخرين.
أن نتهم العرب بالتخلي عن فلسطين، أو نتهم الإعلام بالتقصير، أو المجتمع الدولي بالنفاق، أو الأنظمة العربية بالانشغال بأولوياتها الخاصة.
كل ذلك قد يكون صحيحاً بدرجات متفاوتة.
لكن السؤال الذي يتهرب الفلسطينيون من مواجهته منذ سنوات هو: ماذا لو كان جزء من المشكلة يكمن فينا نحن أيضاً؟
ماذا لو أن فلسطين لم تخسر جزءاً من حضورها العربي لأن العرب تغيروا فقط، بل لأن الفلسطينيين أنفسهم لم ينجحوا في قراءة هذا التغيير؟
الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها أن فلسطين كانت دائماً أكبر من حدودها الجغرافية. لم تكن مجرد قضية شعب تحت الاحتلال، بل كانت عنواناً لحلم عربي كامل. كانت تمثل فكرة الحرية والاستقلال والكرامة والوحدة والعدالة. ولهذا لم تكن مركزية فلسطين نابعة من المأساة الفلسطينية وحدها، بل من كونها مرآة لطموحات أمة بأكملها.
لكن الأمم تتغير.
والعالم العربي الذي عرفته الحركة الوطنية الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات لم يعد موجوداً اليوم.
لقد تغيرت أولويات الشعوب والدول. صعدت قضايا الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية والاستقرار. تراجعت الأيديولوجيات الكبرى، وصعدت الهويات الوطنية، وانشغلت المجتمعات العربية بأزماتها الداخلية بعد عقود من الحروب والانهيارات والصراعات.
هذه ليست خيانة لفلسطين كما يردد البعض.
إنها حركة التاريخ.
والمشكلة ليست أن العرب تغيروا.
المشكلة أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي الفلسطيني لم يتغير معهم.
ما زلنا نتحدث أحياناً بلغة صيغت قبل نصف قرن. ما زلنا نعتقد أن الشعارات القديمة قادرة وحدها على تحريك الجماهير. وما زلنا نتصرف وكأن الزمن توقف عند لحظة تاريخية لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
فالفصائل الفلسطينية التي ولدت كأدوات لخدمة المشروع الوطني تحولت تدريجياً إلى كيانات منشغلة بالحفاظ على ذاتها. وأصبح الدفاع عن التنظيم في كثير من الأحيان أهم من مراجعة أخطائه. وتحولت الشرعية من وسيلة لخدمة الشعب إلى موضوع صراع بحد ذاته.
لقد خسرت الفصائل معركة التجديد قبل أن تخسر معركة الوحدة.
وهذا هو جوهر المأزق الفلسطيني.
فالأزمة ليست فقط في الانقسام بين غزة والضفة، ولا في تعثر الانتخابات، ولا في ضعف المؤسسات.
الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
إنها أزمة نظام سياسي ما زال يفكر بعقل القرن العشرين بينما يعيش شعبه في القرن الحادي والعشرين.
ولذلك لم يعد غريباً أن يشعر كثير من الفلسطينيين، وخاصة الشباب، بأن المسافة بينهم وبين الخطاب السياسي القائم تتسع عاماً بعد عام.
في المقابل، نجحت إسرائيل في استثمار هذا المشهد إلى أبعد حد.
فبينما انشغل الفلسطينيون بخلافاتهم، عملت إسرائيل على تحويل القضية الفلسطينية في الوعي الدولي من قضية شعب واقع تحت الاحتلال إلى قضية إدارة نزاع. ومن قضية حرية إلى قضية أمن. ومن قضية حقوق إلى قضية ترتيبات سياسية.
والأخطر أن الانقسام الفلسطيني ساعدها في ذلك.
فالعالم لا يرى فقط الاحتلال، بل يرى أيضاً الانقسام. ولا يسمع فقط الرواية الفلسطينية، بل يسمع روايات فلسطينية متنافسة أحياناً ومتناقضة أحياناً أخرى.
لكن رغم كل ذلك، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها.
فلسطين لم تفقد مكانتها الأخلاقية.
بل ربما اكتسبت خلال السنوات الأخيرة مكانة أخلاقية عالمية لم تمتلكها من قبل.
ما جرى في غزة أعاد تعريف القضية الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي. ملايين البشر الذين لم يكونوا يعرفون شيئاً عن فلسطين أصبحوا يتابعون تفاصيلها يومياً. جامعات ومدن ونقابات وحركات اجتماعية حول العالم باتت تتحدث عن فلسطين بلغة حقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة الإنسانية.
وهنا تكمن المفارقة.
بينما يتحدث بعض الفلسطينيين وكأن العالم نسي فلسطين، فإن فلسطين في الواقع أصبحت أكثر حضوراً عالمياً من أي وقت مضى.
لكن هذا الحضور الجديد يحتاج إلى مشروع سياسي جديد.
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر أهمية.
المعركة الفلسطينية القادمة ليست فقط معركة إنهاء الاحتلال، رغم أن ذلك يبقى الهدف المركزي.
المعركة الحقيقية هي إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.
إعادة تعريف العلاقة بين الشعب والفصائل.
إعادة إنتاج قيادة قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة.
إعادة صياغة خطاب يفهم لغة العصر دون أن يتنازل عن الثوابت.
إعادة بناء مؤسسات تستمد شرعيتها من الناس لا من التاريخ فقط.
فالتاريخ يمنح الاحترام، لكنه لا يمنح الشرعية إلى الأبد.
والثورات التي لا تتجدد تتحول إلى ذكريات.
والقضايا العادلة التي تفشل في تطوير أدواتها تخسر جزءاً من قدرتها على التأثير مهما كانت عدالتها واضحة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تراجع حضور فلسطين؟
السؤال الحقيقي هو: هل يملك الفلسطينيون الشجاعة للاعتراف بأن جزءاً من الأزمة يكمن فيهم أيضاً؟
لأن الأمم التي تكتفي بلوم الآخرين لا تتقدم.
أما الأمم التي تمتلك الجرأة لمراجعة ذاتها، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.
فلسطين ليست قضية الماضي.
وفلسطين ليست مجرد جرح مفتوح في الضمير العربي.
فلسطين إما أن تصبح مشروعاً للمستقبل، أو ستبقى أسيرة الحنين إلى زمن كان العالم فيه مختلفاً.
أما الحقيقة التي لا بد من قولها، مهما كانت قاسية، فهي أن الاحتلال ليس الخطر الوحيد الذي يواجه الفلسطينيين.
الخطر الآخر هو أن نستمر في مواجهة عالم يتغير بعقول لا تريد أن تتغير.
وحين يحدث ذلك، لا نخسر معركة سياسية فقط، بل نخسر القدرة على فهم اللحظة التاريخية التي نعيشها.
ومن لا يفهم لحظته التاريخية، لا يستطيع أن يصنع تاريخه.هذه النسخة أقرب إلى أسلوبك المباشر: نقد ذاتي وطني، مساءلة للفصائل دون شيطنة، وربط بين الأزمة الفلسطينية وتحولات النظام – العربي والعالم، مع خاتمة حادة تضع المسؤولية أولاً على القدرة على التجديد وفهم اللحظة التاريخية.
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية




