الدكتورة خديجة عللي من المغرب إلى الصين: رحلة المعرفة التي تبني جسور الحضارات

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

جلست اليوم على كورنيش عدن، حيث يلتقي البصر ببحر لا يعرف الحدود، وتتساقط أمواجه كأنها تهمس بقصص البحارة الذين ربطوا العرب بالصين منذ زمن السفن الشراعية وطريق الحرير. وبين زرقة البحر وصوت الموج، فتحت هاتفي على عادة الصحفيين في ملاحقة الأخبار والقصص، فإذا بمقال نشرته وكالة أجنادين الإخبارية يأخذني من شاطئ عدن إلى آفاق الصين الواسعة، عبر رحلة علمية ومعرفية خاضتها الدكتورة خديجة عللي.

كان المقال يتناول الدكتورة خديجة عللي، الباحثة المغربية المتخصصة في علوم الصينيات والثقافة والدبلوماسية، وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين – فرع المملكة المغربية، وعضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل، والتي صدر لها كتابها البحثي الموسوم بـ«رحلتي مع الصين»، موثقًا رحلة علمية ومعرفية امتدت لسنوات طويلة من الدراسة والبحث والتفاعل العميق مع الثقافة والحضارة الصينية.
في تلك اللحظة شعرت أنني لا أقرأ مجرد خبر ثقافي عابر، بل أقرأ قصة عبور حضاري بدأت من المغرب وانتهت إلى آفاق الصين الواسعة، رحلة تؤكد أن المعرفة ما زالت قادرة على صنع الجسور التي تعجز السياسة أحيانًا عن بنائها، وأن الكتاب يمكن أن يؤدي دور السفينة في نقل الأفكار بين الشعوب.
فابتسمت وقلت في نفسي: هذا هو الجسر الذي كنا ننتظره… جسر لا يُبنى من خشب أو حديد، بل من معرفة وقلب لا يخشى العبور.
لقد شعرت وأنا أقرأ تفاصيل هذه الرحلة أن خديجة عللي لم تختر الطريق السهل نحو الصين، بل اختارت الطريق الأعمق والأبقى أثرًا. فقد أعادت صياغة العلاقة مع الشرق الأقصى لا عبر التجارة التقليدية ولا عبر الانبهار السطحي، بل عبر اللغة والثقافة والفهم العميق. أتقنت اللغة الصينية، وغاصت في تفاصيل حضارتها كما يغوص غواصو البحار بحثًا عن اللؤلؤ، فحوّلت رحلتها العلمية إلى جسر معرفي يربط بين ثقافتين عريقتين، ورسالة حضارية تؤكد أن المعرفة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود واختصار المسافات وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
ولهذا أيقنت أن كتاب الدكتورة خديجة عللي ليس مجرد سرد لسيرة شخصية أو تسجيل لرحلة أكاديمية عابرة، بل شهادة فكرية على أهمية الحوار بين الحضارات، ودليل عملي على أن المعرفة قادرة على تحقيق ما تعجز عنه المسافات والاختلافات اللغوية والثقافية.
إنه كتاب يروي رحلة باحثة عربية اختارت أن تقترب من حضارة عريقة بالفهم لا بالأحكام المسبقة، وبالتعلم لا بالتصورات الجاهزة، لتكتشف أن الطريق إلى الآخر يبدأ من احترام ثقافته وفهم تاريخه والإنصات إلى لغته. ومن هنا تتجاوز قيمة الكتاب حدود التجربة الفردية لتصبح رسالة إنسانية تدعو إلى بناء جسور التواصل بين الشعوب على أساس المعرفة والاحترام المتبادل.
لقد بدا لي هذا العمل وكأنه رحلة من نوع آخر؛ رحلة لا تعبر البحار بالسفن، بل تعبرها بالأفكار، ولا تقطع المسافات بالأقدام، بل بالإرادة والعلم والصبر. ولهذا فإن «رحلتي مع الصين» ليس كتابًا عن الصين فقط، بل كتاب عن معنى الاكتشاف، وعن قدرة الإنسان العربي على الوصول إلى آفاق جديدة حين يؤمن بأن المعرفة هي الطريق الأقصر نحو العالم.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: لماذا تبقى مثل هذه النماذج المعرفية العربية محدودة الحضور في فضائنا الثقافي؟ ولماذا لا تتحول إلى مشاريع أوسع تشجع الأجيال الجديدة على تعلم اللغات والانفتاح على الحضارات المختلفة وفهم العالم من مصادره الأصلية؟
إن تجربة خديجة عللي تفتح كذلك نافذة مهمة على دور المرأة العربية في صناعة المعرفة. فالمرأة العربية اليوم لم تعد متلقية للعلم فقط، بل أصبحت منتجة له ومساهمة في تشكيل مساراته. وتجسد خديجة هذا التحول بوضوح، إذ استطاعت أن تقتحم مجالًا معرفيًا دقيقًا ومعقدًا، وأن تقدم نموذجًا عربيًا مشرفًا في البحث والتخصص والتواصل الحضاري.
خديجة عللي ليست مجرد باحثة مغربية نجحت في دراسة الصين، بل تمثل صورة مشرقة للمرأة العربية حين تمتلك الرؤية والإرادة والعلم. وهي رسالة تقول إن الطريق إلى التأثير لا يمر دائمًا عبر السياسة أو المال، بل قد يبدأ من كتاب، ومن فكرة، ومن باحث يؤمن بأن المعرفة هي أقصر الطرق بين الأمم.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الدولية، تظل مثل هذه التجارب مصدر إلهام حقيقي، لأنها تذكرنا بأن الجسور التي تبقى طويلًا ليست تلك التي تُبنى فوق الأنهار والبحار، بل تلك التي تُبنى بين العقول والقلوب. فالحضارات لا تتقدم بالقوة وحدها، وإنما تتقدم أيضًا بالعلم، وبالقدرة على فهم الآخر، وبالانفتاح على العالم دون التفريط بالهوية.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لرحلة خديجة عللي؛ فهي ليست رحلة من المغرب إلى الصين فحسب، بل رحلة من حدود الجغرافيا إلى فضاء المعرفة، ومن فضول الاكتشاف إلى عمق الفهم، ومن الحلم الفردي إلى رسالة حضارية تؤكد أن العرب ما زالوا قادرين على الحضور والمساهمة والتأثير في عالم يتغير كل يوم.
هذا ما عندي، والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى