” صن تزو ” في القرن الحادي والعشرين: كيف جعلت الصين من السلام أداةً للنفوذ لا مجرد شعار؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
في عالمٍ اعتادت فيه القوى العظمى أن تزن هيبتها بعدد حاملات طائراتها، ومدى انتشار قواعدها العسكرية، وحجم ترسانتها الصاروخية، تبرز الصين كنموذج معاكس، يعيد قراءة معادلة القوة من زاوية مغايرة تماماً. فبينما لا تزال واشنطن تراوغ في مستنقعات الشرق الأوسط، وتتصارع موسكو مع جارتها الغربية في أوكرانيا، تقدم بكين نفسها كحامية للاستقرار العالمي، وكشريك تجاري لا غنى عنه لأكثر من مئة وعشرين دولة. هنا، لا تكون القوة صوت المدافع، بل صوت ماكينات الطباعة في المصانع، وحركة الحاويات في موانئ “مبادرة الحزام والطريق”، وثقل الريان في احتياطيات البنوك المركزية. إنها إعادة إحياء صامتة لحكمة الفيلسوف العظيم صن تزو، الذي خط قبل أكثر من ألفي عام في كتابه الخالد “فن الحرب”: “إن قمة المهارة تكمن في إخضاع الخصم دون خوض معركة واحدة”. فكيف تحوّلت هذه المقولة، التي بدت لأجيال ضرباً من الطوبى، إلى عقيدة عملية تحكم سلوك أسرع قوى العالم نمواً؟
الإجابة تكمن في تحويل التهديدات إلى تكامل. فبدلاً من سباق التسلح المكلف الذي استنزف الاتحاد السوفيتي سابقاً، راهنت الصين على سباق التنمية. فكل خط سكة حديد تبنيه في إفريقيا، وكل ميناء تشيده في المحيط الهندي، وكل اتفاقية تجارية توقّعها في أمريكا اللاتينية، هي بمثابة حلقة تُقيّد الخصوم المحتملين في شبكة من المصالح المشتركة. عندما تصبح الصين الشريك التجاري الأكبر لدول مجموعة “آسيان”، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، وحتى أستراليا، فإن خيار المواجهة المباشرة يصبح مكلفاً سياسياً واقتصادياً لهذه الدول. هذا هو جوهر الاستراتيجية الصينية: جعل الحرب خياراً غير عقلاني قبل أن تصبح حرباً غير ممكنة. إنها تُخضع الخصم، ليس بقصف مواقعه، بل بجعله شريكاً في ازدهاره الاقتصادي، بحيث تستحيل ضرب الصين دون ضرب مصالحه الذاتية أولاً.
على الصعيد السياسي، ترجمت الصين فلسفة صن تزو إلى لغة الوساطة والبناء المؤسسي. ففي لحظة انقسام العالم إلى معسكرين، اختارت بكين أن تلعب دور الوسيط المحايد، كما ظهر جلياً في رعاية اتفاق المصالحة التاريخي بين السعودية وإيران في مارس 2023. هذا الدور لم يكلّف الصين رصاصة واحدة، لكنه منحها ثقلاً دبلوماسياً هائلاً، ورسّخ صورتها كقوة عظمى مسؤولة تسعى للاستقرار، على النقيض من الصورة الأميركية كـ”شرطي العالم” المتعجل لاستخدام القوة. بهذه المناورة، حققت الصين ثلاثة أهداف استراتيجية دفعة واحدة: عززت أمن طاقتها عبر الخليج، وأضعفت الهيمنة الأميركية في المنطقة، ورفعت سقف هيبتها الدولية، كل ذلك دون أن تُحرك جنوداً أو تطلق صاروخاً واحداً. إنها معركة النفوذ التي تُحسم في غرف الاجتماعات، لا في ساحات القتال.
وهنا يكمن السر الأعمق في النموذج الصيني. فهذه الاستراتيجية السلمية ليست هروباً من القوة العسكرية، بل هي توظيف عبقري لها. فالصين تمتلك ثاني أكبر ميزانية دفاع في العالم، وأحدث الأساطيل، وصواريخ فرط صوتية قادرة على اختراق أي دفاع، لكنها تُبقي هذه القوة في الخلفية كسيف مسلول في غمده، بحيث يعلم كل خصومها أنه في حال فشلت شبكة المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، فإن الخيار العسكري موجود لكنه الخيار الأخير وليس الأول. هذا المزيج الفريد يجعل من الصين لاعباً لا يمكن استفزازه بسهولة. القواعد العسكرية في جيبوتي، والانتشار البحري في بحر الصين الجنوبي، ليسا غاية في حد ذاتهما، بل أداتان لحماية المصالح التجارية التي هي الغاية الحقيقية. إنه عكس النموذج الأميركي تماماً؛ فبينما تبني واشنطن قواعد لحماية النفوذ، تبني بكين نفوذاً لحماية طرق التجارة، وتُسيّر الأساطيل لحماية الاستثمارات وليس العكس.
ما تفعله الصين اليوم هو إعادة تعريف معنى “النصر” في صراعات القوى العظمى. النصر لم يعد احتلال العواصم أو تغيير الأنظمة، بل أصبح في تأمين سلاسل التوريد، وفرض المعايير التكنولوجية من الجيل الخامس إلى الذكاء الاصطناعي، وامتلاك القدرة على فرض إرادتك دون الحاجة إلى إظهار عضلاتك العسكرية. في هذه الرؤية، يصبح السلام ليس قيمة أخلاقية أو شعاراً خطابياً، بل هو الحساب الاستراتيجي الأكثر ذكاءً. فالسلام يُبقي الأسواق مفتوحة، ويُبقي الاستثمارات آمنة، ويُبقي العدو في حالة ترقب وليس في حالة حرب. وكما قال صن تزو أيضاً: “إن أعظم انتصار هو الذي لا يُكلّفك شيئاً”. في القرن الحادي والعشرين، وجدت الصين في هذه الحكمة القديمة خريطة طريق لتكون قوة عظمى، ليس رغم سلميتها، بل بفضل سلميتها الذكية التي تنتصر قبل أن تبدأ المعركة.




