المدارس الأهلية وآثارها في مسيرة الحركة التعليمية

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : أسعد الجوراني
شهد قطاع التعليم الابتدائي الأهلي في العراق خلال العقدين الأخيرين توسعاً متسارعاً وغير مسبوق، يدعم المنظومة الحكومية إلى واقع يفرض نفسه كبديل أساسي تلجأ إليه شريحة واسعة من العائلات العراقية ، ويمكن قراءة واقع المدارس الأهلية الابتدائية في العراق من خلال تحليل أسباب نشأتها، ومميزاتها، وأبرز التحديات والإشكالات التي تواجهها
1. جذور الظاهرة وأسباب الإقبال عليها
جاء الانفجار في أعداد المدارس الأهلية الابتدائية نتيجة حتمية للتراجع المستمر في البنية التحتية للمدارس الحكومية، والذي تمثّل في اكتظاظ الصفوف وصول أعداد التلاميذ في بعض الصفوف الحكومية إلى 40 أو 50 تلميذاً ،ولا سيما في العاصمة بغداد والمحافظات الأخرى
الدوام المتعدد اضطرار الكثير من المدارس الرسمية إلى اعتماد نظام الدوام المزدوج الثنائى أو الثلاثي، مما قلّص من ساعات الدرس الفعلي وأثّر سلباً على استيعاب التلاميذ في المراحل الأولى ،
تراجع المرفقات الخدمية تهالك الأبنية المدرسية ونقص التجهيزات والمستلزمات التربوية والترفيهية (كالساحات والمختبرات والمرافق الصحية الأخرى)، مما جعل البيئة الأهلية تبدو خياراً أكثر أماناً وراحة للأطفال
٢ . التحديات والإشكالات البنيوية رغم المظهر الجاذب للمدارس الأهلية، فإن هذا القطاع يواجه انتقادات حادة وإشكالات قانونية وتربوية نلخصها:
أ. العقلية التجارية والربحية تحوّل جزء غير قليل من هذه المدارس من مشاريع تربوية إلى مشاريع استثمارية تبحث عن الربح السريع؛ وتجلى ذلك في الارتفاع المستمر للأقساط السنوية وأسعار الكتب والزي الموحد، مما شكل عبئاً مالياً ثقيلاً على كاهل العائلات من الطبقة الوسطى ومحدودة الدخل

ب. تفتقر العديد من المدارس الأهلية إلى الاستقرار في كوادرها التدريسية. فبينما تعتمد بعض المدارس على مدرسين متقاعدين ذوي خبرة، تلجأ مدارس أخرى إلى تشغيل خريجين شبان بأجور متدنية جداً وبلا عقود تضمن حقوقهم التقاعدية أو المهنية، مما يؤدي إلى دوران وظيفي مستمر يؤثر سلباً على الارتباط النفسي والعلمي للتلميذ الابتدائي بمعلمه

ج. يفتقر القطاع إلى التجانس إذ يضم مدارس متميزة ذات معايير دولية، وفي المقابل توجد مدارس متواضعة جداً تم افتتاحها في بيوت سكنية مستأجرة لا تتوفر فيها شروط السلامة أو الفضاءات والملاعب المخصصة للأطفال

رغم محاولات وزارة التربية (مديرية التعليم الأهلي والأجنبي) فرض ضوابط بموجب الأنظمة والتعليمات (مثل نظام التعليم الأهلي رقم 5 لسنة 2013)، فإن الآليات الرقابية الميدانية تظل دون المستوى المطلوب لمتابعة نسب النجاح الحقيقية، والتأكد من عدم التساهل في التقييم العلمي لمنح “نجاحات شكلية” ترضي أولياء الأمور مستندةً إلى سلطة المال.

التعليم في جوهره أداة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، لكن نمو القطاع الأهلي أدى إلى نتائج عكسية, أصبح جيل الأطفال ينقسم منذ سنواته الأولى على أساس القدرة المالية لأولياء الأمور. يتلقى ابن الميسورين تعليماً في بيئة مكيفة ومجهزة بالوسائل التفاعلية، بينما يدرس ابن العائلات محدودة الدخل في مدارس حكومية مزدحمة أو متهالكة
دخول العقلية الاستثمارية إلى بعض المدارس الأهلية إلى إضعاف الرصانة العلمية , تتعرض الإدارات الأهلية أحياناً لضغوط غير مباشرة لإرضاء أولياء الأمور الذين يدفعون مبالغ طائلة، مما يدفع بعض المدارس إلى منح درجات تقييمية عالية لا تعكس المستوى الحقيقي للتلميذ، وهو ما يُعرف بـ “النجاح الشكلي”، وينعكس سلباً على رصانة التعليم عند الانتقال للمراحل المصيرية.
لم يقف تأثير المدارس الأهلية عند حدود أسوارها، بل أثرت سلباً في المدرسة الحكومية نفسها
هجرة الكفاءات التدريسية تنجذب الطاقات التعليمية المتميزة والخبرات التربوية نحو المدارس الأهلية بحثاً عن دخل مالي أفضل، مما يحرم المدارس الحكومية من أفضل كوادرها.
تحولت الأقساط المدرسية إلى ثقب أسود يلتهم النسبة الأكبر من دخل العائلات العراقية، فضلاً عن المصاريف الجانبية الإجبارية (الكتب الإثرائية، خطوط النقل، الملابس الخاصة بالمدارس)، مما اضطر عائلات كثيرة للاقتراض أو الاستغناء عن أساسيات أخرى لتأمين تعليم أبنائهم.
إن غياب سقف محدد للأقساط، وضعف آليات الرقابة التربوية الصارمة من قبل وزارة التربية، حوَّل التعليم الأهلي في كثير من الأحيان من “شريك للمؤسسة الحكومية” إلى “منافس مستغل” للأزمات؛ مما يعيد تأكيد أن المخرج الحقيقي ليس بإلغاء التعليم الأهلي، بل بفرض سلطة القانون التربوي عليه، وتوجيه الاستثمار الحكومي الأكبر نحو بناء مدارس رسمية نموذجية تعيد للمدرسة الحكومية هيبتها ومجانيتها ورصانتها العلمية ،

زر الذهاب إلى الأعلى