حرب الجنوب التي يُتجاهل أبطالها: إلى متى الصمت يا دولة؟

اجنادين نيوز / ANN
يوسف حسن يكتب –
بعد التجربة المريرة التي عاشها لبنان في الشهور الأخيرة، لم يعد أمامنا إلا أن نقرأ الوقائع كما هي، بموضوعية وصراحة. ثلاثة قرارات مصيرية، كان يفترض أن تكون عنواناً لقوة الدولة، تحولت إلى شواهد على تراجعها.
أولاً: قرار الحرب بيد الدولة
سقط هذا المبدأ مع قرار السلطة سحب الجيش من الجنوب، بالتزامن مع إعلان العدو نية التقدم برياً في 2 مارس 2026. فكيف تُترك الأرض لمن يهددها، وتُسحب منها قواتها النظامية في لحظة الخطر؟
ثانياً: قرار السلم بيد الدولة
سقط هذا المبدأ أيضاً حين قررت السلطة تأجيل الهدنة في لبنان في 8 أبريل 2026. كانت النتيجة سقوط مئات اللبنانيين، ورفض العدو وقف إطلاق النار، وكأن الدولة فرطت بورقة السلم قبل أن تستخدمها.
ثالثاً: قرار حصرية السلاح
هذا المبدأ كان الأكثر إيلاماً. مع الحرب الحالية على لبنان، اتضح أن غياب حصر السلاح لم يمنحنا قوة إضافية، بل جعلنا هدفاً مفتوحاً. فلو كان السلاح قد حُصر حقاً بيد الدولة، لكانت الدولة قادرة على ردع العدو وحماية القرار اللبناني.
لكن هناك ما هو أخطر من كل ما سبق: هناك تجاهل لا يُصدّق للمعارك التي تجري في جنوب لبنان.
تصمت السلطة، بل وبعض وسائل الإعلام، عن الاشتباكات الضارية جداً التي تقع في بنت جبيل، الخيام، عيناثا، عيتا، البياضة، الطيبة، وغيرها كثير من محاور القتال المشتعلة منذ أسابيع. يُغفَل أخبار الميدان الأسطورية لصالح تضخيم شؤون داخلية ذات أهمية منخفضة أو لا قيمة لها. وإذا تم تمرير خبر عن البطولات اليومية في الجنوب، فإنه يتم تقديمه بشكل مؤطّر ومهمّش. بل الأعجب من ذلك أن البعض يُعظّم “إنجازات” العدو، ويصدّق أكاذيب بياناته، وكأننا نعيش في واقع موازٍ.
أما الحقيقة، فهي صارمة وواضحة:
· سلاح البر المعادي فشل ويفشل في اجتياح الجنوب.
· فرقه العسكرية تعاني بشدة للتقدم.
· هناك شبان لبنانيون — ليسوا جيشاً نظامياً، وليسوا دولة بالمعنى التقليدي — يحققون هذه الملاحم كل يوم، منذ شهر ونصف الشهر.
هنا، في هذه التفاصيل، تكمن القيمة الخبرية.
هنا تتحقق المصداقية الإعلامية.
وهنا، فقط هنا، تظهر الوطنية الحقيقية.
وجود “دولة” هو أمر ضروري للغاية، عندما تكون دولة حقيقية بكل معنى الكلمة: تحمي، تقرر، وتحتكر قرار الحرب والسلم والسلاح.
أما وجود بديل عنها، فهو ضروري للغاية أيضاً… عندما لا تحمي هذه الدولة. ولكن البديل لا يمكن أن يكون فوضى، بل نظاماً آخر يحقق ما عجزت عنه الدولة.
لقد حان الوقت لنقولها بوضوح: إما دولة كاملة السيادة تعترف ببطولات أبنائها وتدافع عنهم، وإما أن نبحث عن بديل يليق بتضحيات شعب لا يستحق أن يُخذل، وشباب يرسمون اليوم، بدمائهم، حدود الكرامة اللبنانية.
ودماء هؤلاء الشبان ليست أقل قيمة من أي بيان عسكري أو تصريح سياسي. فلننصفهم قبل فوات الأوان.




