جمال قاتل “نبتة الداتورا” .. ‏

مابين الأراضي الزراعية وضفاف الأنهار وحتى بعض المناطق السكنية "خطر صامت" ‏يهدد حياتنا ‏‏“

أجنادين نيوز / ANN

تحقيق_إعداد : كواكب علي السراي

في مشهد يبدو أقرب إلى قصص الرعب، تتسلل نبتة “الداتورا” المعروفة شعبياً باسم ‌‏“بوق الشيطان” إلى الأراضي الزراعية وضفاف الأنهار وحتى بعض المناطق السكنية في ‏العراق ، حاملةً معها خطراً صامتاً قد يتحول إلى مأساة صحية حقيقية ، بعد تحذيرات ‏رسمية أطلقتها وزارة الداخلية بشأن انتشارها وارتفاع خطورتها على الإنسان والحيوان .‏

النبتة التي تبدو للوهلة الأولى جميلة بأزهارها البيضاء والبنفسجية الكبيرة ، تخفي خلف ‏مظهرها مركبات شديدة السمية تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي ، وتضع من يقترب منها ‏أمام احتمالات أما التسمم الحاد أو الهلوسة أو حتى الموت.‏

وبين روايات تتحدث عن نموها الطبيعي في البيئات الحارة والرطبة، وأخرى تشير إلى ‏زراعتها كنبات زينة في بعض المناطق، يبرز سؤال خطير:‏

كيف تحولت “الداتورا” إلى تهديد صحي وأمني يستدعي تدخل الجهات المختصة ؟

تحذير رسمي غير مسبوق ‏

المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية التابعة لوزارة الداخلية، أطلقت تحذيراً ‏مباشراً من انتشار نبتة الداتورا في عدد من المحافظات العراقية، مؤكدة أنها تُصنف عالمياً ‏ضمن أخطر النباتات البرية السامة بسبب احتوائها على مركبات “السكوبولامين” ‏و”الهيوسيامين” و”الأتروبين”، وهي مواد تؤدي إلى اضطرابات عصبية ونفسية حادة .‏

وأكدت الوزارة أن جميع أجزاء النبتة سامة ، بما فيها الجذور والأوراق والبذور والأزهار ، ‏مشيرة إلى أن مجرد استخدامها العشوائي أو استنشاق أبخرتها قد يسبب فقدان الوعي ‏والهلوسة والتشنجات وربما الوفاة .‏

كما دعت المواطنين والمزارعين إلى الإبلاغ عن أماكن انتشارها عبر الرقم المجاني 911، ‏بالتزامن مع حملات رصد وإتلاف تنفذها الجهات المختصة .‏

نبتة جميلة بوجه قاتل !‏

تعرف الداتورا علمياً باسم ‏Datura‏ ‏ (داتورا)‏ وهي نبات بري موطنه الأصلي الأمريكتان، إلا أنه انتشر لاحقاً في آسيا وأفريقيا والشرق ‏الأوسط بسبب قدرته العالية على التكيف مع البيئات الحارة وشبه الجافة .‏

وتتميز النبتة بساق سميكة وأوراق عريضة مسننة، فيما تُعرف أزهارها القمعية الكبيرة ‏باسم “بوق الشيطان” ، وهي أزهار قد تكون بيضاء أو بنفسجية اللون ، بينما تنتج ثمرة ‏كروية مغطاة بالأشواك تحتوي على مئات البذور السامة .‏

ورغم شكلها الجذاب ، إلا أن خبراء الزراعة والسموم يصنفونها ضمن النباتات الخطرة ذات ‏التأثير المخدر والعصبي الحاد .‏

أين تنتشر في العراق ؟

بحسب مختصين في الشأن الزراعي والبيئي ، فإن نبتة “الداتورا” تنمو غالباً في :‏
الأراضي الزراعية المهملة ,‏
جوانب الطرق والساحات المفتوحة ,‏
ضفاف الأنهار والجداول ,‏
البساتين والمناطق الرطبة ,‏
مكبات النفايات ,‏الترب الغنية بالأسمدة العضوية والنيتروجين ,‏

ويزداد انتشارها خلال فصلي الربيع والصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة ، فيما تشير ‏تقديرات غير رسمية إلى رصدها في عدد من المحافظات الوسطى والجنوبية ، بينها بغداد ‏والبصرة وميسان وذي قار .‏

لماذا تُعد “الداتورا” شديدة الخطورة ؟

تكمن خطورة النبتة في احتوائها على مركبات “التروبان القلوية” ، وهي مواد تؤثر بشكل ‏مباشر على الدماغ والجهاز العصبي المركزي .‏

وأبرز أعراض التسمم بها :‏
هلوسة بصرية وسمعية حادة ,‏
فقدان الإدراك والانفصال عن الواقع ,‏
اتساع حدقة العين ,‏احمرار الوجه وارتفاع الحرارة ,‏
تسارع ضربات القلب ,‏
صعوبة التنفس ,‏
فقدان الوعي والغيبوبة ,‏

ويؤكد مختصون أن استنشاق دخان النبتة عند حرقها قد يكون أخطر من لمسها ، بسبب ‏انتقال المواد السامة عبر الهواء إلى الجهاز التنفسي .‏

تضارب الروايات .. زينة منزلية أم خطر مهمل ؟

ورغم التحذيرات الرسمية ، لا تزال بعض أنواع الداتورا تُزرع أحياناً كنبات زينة بسبب ‏جمال أزهارها، خصوصاً في الحدائق والمناطق المفتوحة ، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة ‏من تعرض الأطفال أو الحيوانات الأليفة للتسمم .‏

ولكن في المقابل ، يرى مختصون أن جزءاً كبيراً من انتشارها يعود إلى نموها العشوائي في ‏الأراضي المهملة والسواقي والمناطق الرطبة ، مستفيدة من ضعف حملات الإزالة البيئية ‏وعدم معرفة المواطنين بخطورتها .‏

كيف يمكن التخلص منها ؟

الجهات الصحية والزراعية توصي بعدم الاقتراب من النبتة بشكل مباشر ، وتشدد على ‏أتباع إجراءات وقائية عند التعامل معها ، أبرزها :‏

ارتداء قفازات وملابس واقية ,‏
اقتلاعها كاملة مع الجذور قبل الإزهار ,‏
وضعها داخل أكياس محكمة الإغلاق ,‏
عدم حرقها أو استنشاق دخانها ,‏
التخلص منها عبر الجهات البلدية والزراعية المختصة ,‏
مراقبة الأراضي الزراعية بشكل دوري لمنع عودة نموها ,‏

كما تنصح بمراجعة أقرب “مركز صحي” فور الاشتباه بأي حالة تسمم ناتجة عن لمسها أو ‏تناول أي جزء منها .‏

خطر بيئي وصحي يتطلب تحركاً عاجلاً .

ويرى مراقبون أن “التحذير الحكومي الأخير” يكشف عن تحدٍ بيئي وصحي يتجاوز مجرد ‏وجود “عشبة سامة” ، خاصة مع انتشار معلومات مضللة على مواقع التواصل الاجتماعي ‏تروج للنبتة بوصفها “علاجاً شعبياً” أو مادة مسببة للهلوسة .‏

ومع اتساع رقعة انتشارها ، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق ( حملات توعية واسعة ) في ‏المدارس والجامعات والمناطق الزراعية ، لمنع تحول “بوق الشيطان” إلى تهديد صامت ‏يحصد الأرواح بعيداً عن أعين الرقابة .‏

ويذكر ان في العراق ، لم تعد “الداتورا” مجرد نبتة برية مجهولة … بل خطرٌ أخضر ينمو بصمت .‏

زر الذهاب إلى الأعلى