اليمن والصين.. جسور تمتد عبر التاريخ

اجنادين نيوز /ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء الصين

باغتني صديقي اليوم بسؤال لم يخطر على بالي، لكنه حمل في طياته مرآة لتلك العلاقة المتجددة بيني وبين الصين. قال: “لماذا تقرأ عنها اليوم بشغفٍ يكاد يطغى على شهيتك للكتابة عنها؟ وأنت الذي عوّدتنا أن تكون مقالاتك عن الصين نبضاً لا ينقطع؟”

ابتسمت، ليس ارتجالاً، بل لأن السؤال نفسه كان جواباً. فالكتابة عن الصين، بالنسبة لي، لم تكن يوماً مجرد مهمة صحفية عابرة، بل رحلة تأسيسية في وعي تحولات العالم، تعمقت أكثر بعد أن تشرفت بالانضمام إلى الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، لأدرك أن هذه الظاهرة لم تعد قابعة في خانة “العناوين العاجلة”، بل أصبحت محوراً يحرك دفة التاريخ ذاته.

كان ردي حاسماً: “أقرأ لأمتلك الحجة، لا لأرصف الخبر. فالكتابة الحقيقية لا تصنعها وفرة الحبر، بل نضج الرؤية، وتلك تحتاج إلى لحظة صمت تسبق الطوفان.”

هنا انفرجت أسارير صديقي، ورد بعمق لم أتوقعه: “أحسنت، فالقراءة عن الصين اليوم ليست انبهاراً ساذجاً بضوء قادم من الشرق، بل هي وقوف متأمل أمام أمة هزمت وهم ‘نهاية التاريخ’، وأعادت كتابة قواعد اللعبة العالمية من الصفر، ليس بضجيج المدافع، بل بصبر المعرفة واتساع الأفق.”

وهنا، في هذه الجملة البسيطة، يتجلى لب القضية برمتها.

منذ ثلاثة عقود، غرقت نخب الغرب في نشوة الانتصار، ظانين أن نموذجهم هو القبلة الأخيرة للبشرية. سقط جدار برلين، وانهارت المنظومة الاشتراكية، وأعلنوا أن التاريخ قد حسم وجهته نهائياً. لكن الصين، ببرود أعصابها، سحقت تلك النشوة بمعادلة مغايرة تماماً: “الحياة للجميع، لمن يتعلم، لمن يجتهد، لمن يجدد الفكرة.” ليست هذه شعارات دعائية رخيصة، ولا كليشيهات خطابية مستهلكة. بل هي الجوهر الفلسفي لتجربة أمة حوّلت التراكم المعرفي إلى سلاح استراتيجي، والإرادة الجماعية إلى طاقة لا تنضب، والإيمان بالاجتهاد إلى ديناميكية هائلة أعادت تشكيل خريطة القوة العالمية في زمن قياسي. الصين لم تنتظر معجزة تنزل من السماء، ولم تستجدي موافقة أحد على مسارها. صنعت المعجزة بيديها، لأنها أدركت أن النهضة ليست حالة استثنائية، بل مشروع تراكمي صارم، لا يتحقق بشعارات براقة، ولا يختزل في سباق آني، ولا يقاس بمكاسب لحظية.

وهنا قد يتساءل القارئ: ما الذي يربط اليمن، الغارق في نزاعاته وأزماته المتراكمة، بهذا المارد الآسيوي الصاعد؟ الحقيقة أن الروابط أعمق وأرسخ مما قد يتبادر إلى الذهن. فجذور التواصل بين اليمن والصين تضرب في عمق التاريخ لقرون خلت، حين كانت موانئنا الحيوية – عدن، الشحر، المخا – تمثل الشرايين الرئيسية لشبكة التجارة البحرية العالمية، والهمزة الوصل التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بسواحل الصين القاصية. لم تكن تلك الموانئ مجرد محطات لتفريغ الشحنات وتحميل البضائع، ولم تكن مجرد نقاط عبور جافة. بل كانت حواضن حضارية نابضة، تلتقي فيها الأفكار، وتتلاقح الثقافات، وتولد عبرها روابط إنسانية تجاوزت حدود الجغرافيا وتقلبات الزمن. كانت تلك المسارات المائية أولى ملامح العولمة، قبل أن يصبح المصطلح رائجاً في خطابات السياسيين والأكاديميين. واليوم، تعيد مبادرة “الحزام والطريق” تشكيل تلك المسارات العتيقة بأدوات القرن الحادي والعشرين. ليس استنساخاً أعمى للماضي، بل استدعاء واعياً للعبقرية الجغرافية المشتركة، وإعادة ربط وثيقة لمنطقتنا بشرق آسيا عبر ممرات تنموية واعدة، تحمل في طياتها فرصاً هائلة للتعاون والتنمية. هذا الامتداد الطبيعي يبعث برسالة بليغة مؤداها أن العلاقات الدولية الراسخة لا تُقاس بحسابات المصالح السياسية اللحظية، بل بمنطق أعمق يمتزج فيه التاريخ بالجغرافيا والثقافة، في نسيج واحد لا ينفصم.

إن الصين لم تقفز إلى القمة فجأة، ولم تصنع معجزتها بضربة حظ أو بفضل موقع جغرافي فقط، بل نجحت لأنها أدخلت “النهضة” في مختبر التطوير التراكمي المستمر، بعيداً عن الشعارات الرنانة والأيدي المرتعشة، وقريباً من روح الاجتهاد والتجديد. وهنا يتجلى الدرس الأكثر إلحاحاً وعمقاً لليمن والعالم العربي أجمع. فنحن، في منطقتنا، نعرف جيداً معنى التراكم، كما نعرف معنى الانقطاع. عرفنا كيف نبني، وكيف تنهار مدننا تحت وطأة الحروب والصراعات وهشاشة المؤسسات. لكن الصين تذكرنا اليوم بأن الإرادة الجماعية، حين تقترن بالتعلم والاجتهاد والتجديد، تستطيع أن تعيد كتابة التاريخ، وتصنع من ركام التحولات جسوراً نحو المستقبل. كصحفي يمني، وعضو في هذا الاتحاد الدولي، أرى أن مسؤوليتنا المهنية والأخلاقية تتجاوز بكثير مجرد النقل السطحي للأخبار، أو التغطية الآنية للأحداث. فإدراك كنه الصين اليوم ليس ترفاً معرفياً، بل هو مفتاح رئيسي لفهم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تعيد تشكيل عالمنا. والمهنية الحقة تفرض علينا الغوص تحت السطح، والابتعاد عن صخب العناوين العاجلة، وتقديم الصين كحالة معرفية عميقة، لا كمنافس سياسي أو نموذج للاستهلاك الإعلامي السريع.

لأجل هذا كله، آثرت اليوم الصمت والقراءة على صخب الكتابة. لأن القلم، مهما كان ماضياً في الخوض، يحتاج أحياناً إلى الانكفاء نحو الجذور، وإعادة بناء الأسئلة بعيون متجردة ومستبصرة، قبل الاندفاع نحو الإجابات الجاهزة. ما بين “طريق البخور” القديم وممرات “الحزام والطريق” المعاصرة، ثمة خيط حريري ناصع من الاستمرارية الحضارية، يعكس إصرار الشعوب على تشييد جسور التلاقي، مهما بلغت حدة الأعاصير السياسية، ومهما تعقدت حسابات القوى الدولية. إن قراءتنا للصين اليوم هي، في جوهرها، قراءة في كتاب التاريخ نفسه: تاريخ حي لا يتوقف، ولا ينتهي، ولا يُختصر في سباق تسلح أو نفوذ آني، بل يتجدد دومًا لمن يتعلم، ويجتهد، ويملك جرأة تجديد الفكرة. فالصين اليوم لم تعد مجرد قصة مثيرة للاهتمام، ولا مجرد قوة صاعدة نترقب تحركاتها. لقد أصبحت شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المستقبل، وفهمها بالمنظور الصحيح يعني أننا نمتلك بوصلة أفضل لاستشراف غدنا، وفهم عالمنا المتشابك.

وهذه هي رسالتنا الأسمى، كإعلاميين عرب ويمنيين، إلى جمهورنا: إن قراءتنا للصين ليست انبهاراً ساذجاً بقوة عظمى، ولا استجداءً لمواقف سياسية عابرة، بل هي تأمل استراتيجي عميق في هوامش التعاون المتاحة، واستلهام حقيقي لمسار تنموي فائق الذكاء، عرف كيف يزاوج بروعة بين أصالة الجذور ومعاصرة الآفاق، ليؤكد أن النهضة الحقيقية تبدأ عندما نؤمن بأن الحياة، فعلاً، لمن يتعلم، ولمن يجتهد، ولمن يجرؤ على تجديد الفكرة. وهو ما نسعى إليه بكل إخلاص في الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء الصين: أن نكون جسراً للفهم العميق، لا مجرد ناقلين للخبر العابر.

زر الذهاب إلى الأعلى