بناء الحزب… حين يصبح الإصلاح الذاتي فلسفة للحكم

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
تشهد الحياة الحزبية في كثير من الديمقراطيات الغربية مرحلة من التحولات العميقة. فالأحزاب التي هيمنت على المشهد السياسي لعقود تواجه اليوم تراجعًا في قدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية، بينما تتصاعد الشعبوية وتتقدم قوى جديدة تستثمر حالة الإحباط الشعبي واتساع الفجوة بين النخب السياسية والمجتمع. ومن الويالات المتحده الامريكيه الي فرنسا وإيطاليا إلى ألمانيا وبريطانيا، لم يعد المشهد محكومًا بالاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، بقدر ما أصبح تعبيرًا عن أزمة ثقة في المؤسسات السياسية نفسها.
لقد تغير السؤال الذي يواجه الأنظمة السياسية؛ فلم يعد: أي حزب سيفوز بالانتخابات؟ بل: هل ما زالت الأحزاب، بصيغتها التقليدية، قادرة على تمثيل مجتمعات تتغير بوتيرة غير مسبوقة؟
في هذا السياق، تبرز التجربة الصينية بوصفها تجربة تستحق الدراسة، لأنها اختارت أن تجعل من بناء الحزب مشروعًا دائمًا للإصلاح الذاتي، لا مجرد عملية تنظيمية أو إدارية. ومن هنا تكتسب أفكار شي جين بينغ بشأن بناء الحزب أهميتها، باعتبارها رؤية تسعى إلى ضمان استمرارية المؤسسة السياسية عبر التجديد المستمر، والانضباط المؤسسي، والقدرة على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية.
ولا تنطلق هذه الرؤية من المحافظة على الهياكل التنظيمية بقدر ما تنطلق من الحفاظ على حيوية المؤسسة نفسها. ولذلك ارتبط بناء الحزب في الصين بمكافحة الفساد، وتعزيز الانضباط، وإعداد الكفاءات، وربط شرعية القيادة بقدرتها على تحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين. فالمؤسسات لا تضمن استمرارها بطول عمرها، وإنما بقدرتها على مراجعة ذاتها وإصلاح أخطائها.
ومن أبرز ما يميز التجربة الصينية أنها لم تتعامل مع الماركسية باعتبارها نصًا جامدًا، وإنما باعتبارها منهجًا لفهم الواقع والتعامل معه. فكارل ماركس لم يقدم نموذجًا مغلقًا يصلح لكل زمان ومكان، بل وضع إطارًا فكريًا لتحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما سمح للصين بتطوير نموذجها الخاص وفق ظروفها الوطنية ومتطلبات العصر.
ولهذا لم تكتف الصين بالحفاظ على الإرث الفكري، بل عملت على إعادة توظيفه في خدمة مشروعها التنموي، فربطت بين الفكر والاقتصاد، وبين التخطيط والابتكار، وبين التعليم والبحث العلمي، حتى أصبحت التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والابتكار العلمي من أبرز ركائز نهضتها الحديثة.
وفي المقابل، كشفت تجارب أخرى أن الاكتفاء بتكرار الشعارات دون تطوير أدوات العمل يؤدي إلى الجمود. فالأفكار لا تستمد قيمتها من قدسيتها، وإنما من قدرتها على إنتاج حلول جديدة لمشكلات الواقع. وكل نظرية تتوقف عن التجدد تتحول تدريجيًا إلى عبء على أصحابها بدلاً من أن تكون أداة للتغيير.
إن خصوصية التجربة الصينية تكمن في قدرتها على المزج بين الماركسية، والهوية الحضارية الصينية، ومتطلبات العصر الحديث، دون الوقوع في أسر الماضي أو الانقطاع عنه. فقد تعاملت مع الفكر باعتباره وسيلة للإبداع، لا قيدًا على الحركة، ولذلك بقي المشروع السياسي قادرًا على التطور مع كل مرحلة جديدة.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وما تواجهه دول الجنوب العالمي من تحديات تنموية واقتصادية وجيوسياسية، تبدو هذه التجربة مصدرًا مهمًا للنقاش حول بناء المؤسسات السياسية والإدارية. وليس المقصود استنساخ النموذج الصيني، فلكل دولة خصوصيتها، وإنما الاستفادة من المبادئ التي أثبتت فعاليتها، وفي مقدمتها الإصلاح المؤسسي، وتجديد القيادات، وتعزيز الكفاءة، وربط الأداء بمصلحة المجتمع.
لقد أثبتت التجارب أن قوة الدول تبدأ من قوة مؤسساتها، وأن المؤسسات القادرة على ممارسة النقد الذاتي، ومراجعة سياساتها، وتطوير أدواتها، هي الأكثر قدرة على الاستمرار ومواجهة الأزمات. أما المؤسسات التي تكتفي بالاعتماد على تاريخها أو شعاراتها، فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير، مهما بلغت مكانتها.
واليوم، ومع الثورة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، والتغيرات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، وإعادة تشكيل موازين القوة الدولية، يبرز سؤال يتجاوز حدود الصين والغرب معًا: هل تستطيع الأحزاب السياسية أن تعيد بناء نفسها لتواكب القرن الحادي والعشرين، أم أنها ستظل أسيرة نماذج تنظيمية صاغها القرن العشرون؟
ربما تقدم التجربة الصينية إحدى الإجابات الممكنة، لكن الدرس الأهم يبقى أن بقاء أي مشروع سياسي لا يتحقق بصلابة الشعارات، بل بقدرته على الإصلاح الذاتي، والتجدد المستمر، وتحويل الأفكار إلى سياسات عملية تستجيب لتطلعات المجتمع وتستشرف المستقبل.




