من إرث جيانغ تسه مين إلى مستقبل الاشتراكية ذات الخصائص الصينية

اجنادين نيوز / ANN

بقلم/ نجيب الكمالي

قرأت اليوم خبر إحياء الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الصيني الراحل جيانغ تسه مين، وتوقفت عند حديث شي جين بينغ عن ضرورة التعلم من ثباته في قناعاته السياسية، ومن نظرته بعيدة المدى وتفكيره الاستراتيجي.
وأنا ككاتب يمني أتابع الشأن الصيني باهتمام، لا تمر مثل هذه المناسبة بالنسبة لي كخبر عابر. كلما عدت إلى تجربة الصين، وجدت أن وراء كل مرحلة قصة أكبر من اسم قائد أو ذكرى سنوية.
وعندما أقرأ في تاريخ الصين وأعود إلى مرحلة جيانغ تسه مين، أجد أنها لم تكن مرحلة سهلة على الصين. كان العالم يتغير بسرعة، والصين كانت تتغير معه، وكان عليها أن تدخل مرحلة جديدة دون أن تفقد بوصلتها أو تتخلى عن مشروعها.
وهنا توقفت.
الصين التي دخلت مرحلة الإصلاح والانفتاح منذ عام 1978 لم تكن هي الصين التي عرفها العالم في العقود السابقة. تغير الاقتصاد، واتسعت علاقاتها الخارجية، ودخلت الأسواق العالمية، لكن الفكرة الأساسية كانت أن التغيير لا يعني التخلي عن الاتجاه.
وجيانغ تسه مين كان جزءًا مهمًا من هذه المرحلة.
ما يشدني في التجربة الصينية أنني لا أرى كل قائد يبدأ من جديد. هناك تراكم واضح. ما بدأه ماو تسي تونغ في بناء الدولة، وما أعاد دنغ شياو بينغ صياغته من خلال الإصلاح والانفتاح، وواصل جيانغ تسه مين تطويره في مرحلة لم تكن سهلة على الصين، ثم جاءت أجيال أخرى لتكمل البناء.
ومن جيل إلى جيل واصلت الصين البناء، حتى وصلت اليوم في عهد شي جين بينغ إلى هذه المكانة الكبيرة التي جعلت منها واحدة من أهم القوى في العالم.
وأنا أكتب من اليمن، لا أستطيع ألا أفكر في واقعنا العربي. كم من المبادئ رفعناها ثم تركناها عند أول منعطف، وعند تغير قائد أو مسؤول تغيرت معها السياسات وكأن ما قبلها لم يكن. وكم من المشاريع بدأناها ثم هدمناها قبل أن تكتمل، فقط لأن صاحبها غادر موقعه أو تغيرت موازين القوة.
نحن في اليمن، وفي عالمنا العربي عمومًا، عرفنا دولًا ومشاريع وشعارات كثيرة، لكننا عجزنا في أحيان كثيرة عن الاحتفاظ بالمبادئ التي رفعناها، أو تحويلها إلى مؤسسات تستمر بعد أصحابها.
وهنا أجد نفسي أمام الفارق الذي يشدني في التجربة الصينية: أن تتغير القيادات، وتتغير الأدوات، لكن لا يبدأ البلد كل مرة من الصفر.
وهذا ما يجعلني أتوقف عند الحديث عن جيانغ تسه مين اليوم. فالقائد لا يعيش مرحلته فقط. أحيانًا يكون ما يتركه أهم من السنوات التي قضاها في موقع المسؤولية؛ فكرة، قرار، سياسة، أو طريقة في التفكير يمكن أن تواصل طريقها بعد رحيله.
وهنا أفهم حديث شي جين بينغ عن القناعات السياسية الراسخة لجيانغ تسه مين، وعن أهمية التعلم من نظرته بعيدة المدى.
الثبات لا يعني الجمود.
هذه العبارة بالنسبة لي تختصر جانبًا مهمًا من التجربة الصينية. يمكن أن تكون ثابتًا في قناعتك، وفي الوقت نفسه تغير أدواتك. يمكن أن تنفتح على العالم، وتتعلم من تجاربه، وتدخل في تحولات اقتصادية واسعة، دون أن تشعر أنك مطالب بالتخلي عن هويتك.
وهذه النقطة تحديدًا تهمني ككاتب يمني.
فنحن نعرف جيدًا ماذا يعني أن تفقد الدول اتجاهها وسط العواصف. لذلك عندما أقرأ تجربة دولة استطاعت أن تمر بتحولات كبيرة وتحافظ على استمرارية مشروعها، أتوقف عندها أكثر من مرة.
لا أبحث عن نموذج صيني يمكن نسخه في اليمن، فهذا غير ممكن. لكل بلد تاريخه وظروفه وتعقيداته.
لكنني أبحث عن الفكرة.
كيف تبني دولة مشروعًا طويل المدى؟ كيف تغير أدواتك دون أن تفقد اتجاهك؟ وكيف تستطيع أجيال مختلفة من القيادة أن تضيف إلى ما سبقها بدل أن تهدمه كل مرة وتبدأ من جديد؟
هذه الأسئلة هي التي تجعلني أقرأ الصين باستمرار.
حتى الحديث عن بناء مجتمع رغيد الحياة والقضاء على الفقر المدقع لا يمكن قراءته بمعزل عن فكرة التخطيط بعيد المدى. الهدف لم يكن قرارًا عابرًا، بل مسارًا احتاج إلى سنوات من العمل، وإلى تحويل الفكرة إلى سياسات ومؤسسات ومتابعة على الأرض.
والشيء نفسه أراه في الحزام والطريق، باعتبارها واحدة من الأفكار التي وسعت نظرة الصين إلى العالم. الصين لم تعد تنظر إلى مستقبلها من داخل حدودها فقط، بل أصبحت تفكر في التجارة، والبنية التحتية، والعلاقات الاقتصادية، وموقعها في عالم يتغير.
توقفت عند هذا المعنى.
أن تفكر الدولة فيما سيكون بعد سنوات، لا فيما يحدث اليوم فقط.
وهذا بالضبط ما قصده شي جين بينغ عندما دعا إلى التعلم من النظرة بعيدة المدى والتفكير الاستراتيجي لجيانغ تسه مين.
ربما لا يستطيع القائد أن يعرف كل ما سيحدث في المستقبل، لكنه يستطيع أن يترك طريقًا يمكن لمن يأتي بعده أن يواصل السير فيه.
وهذا في رأيي معنى الإرث الحقيقي.
جيانغ تسه مين لم يكن نهاية مرحلة، كما أن دنغ شياو بينغ لم يكن بداية منفصلة عما سبقه. هناك سلسلة متصلة، وفي كل محطة كان هناك تعديل وإضافة وتصحيح.
ومن هنا أرى أن الدعوة إلى مواصلة دفع الاشتراكية ذات الخصائص الصينية إلى الأمام لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما الاستفادة منه في بناء المرحلة القادمة.
وهذا هو الجزء الذي شدني في ذكرى جيانغ تسه مين أكثر من مجرد استعادة سيرته.
فالاحتفاء بالماضي سهل، لكن الأصعب أن تعرف ماذا تتعلم منه.
قد تختلف القراءات السياسية للصين، وقد يختلف الناس حول نموذجها، وهذا طبيعي. لكن من الصعب تجاهل أن الصين استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل من مرحلة إلى أخرى، وأن تحافظ على استمرارية مشروعها وهي تغير أدواتها باستمرار.
جيانغ تسه مين رحل، لكن المرحلة التي شارك في قيادتها تركت أثرها في مسيرة الصين.
والصين اليوم تواصل السير.
القادة يرحلون، لكن بعض الأفكار تبقى عندما تتحول إلى سياسات ومؤسسات وتجارب تستطيع الأجيال التالية أن تبني عليها.
وربما هذا هو أكثر ما شدني وأنا أقرأ عن الذكرى المئوية لميلاده: أن الصين لا تستحضر الماضي لكي تعيش فيه، وإنما لكي تعرف كيف تواصل طريقها إلى المستقبل.
نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
رئيس تحرير موقع صوت القضية الإخباري

زر الذهاب إلى الأعلى