لماذا يحتفي العالم بنجاحات الحزب الشيوعي الصيني في ذكرى تأسيسه الخامسة بعد المائة

اجنادين نيوز / ANN

د. الضو خضر أحمد عبد الله / باحث في الشؤون الاستراتيجية والدولية _ عضو الإتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين فرع السودان وعضو مجلس إدارة الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

بإشراق صباح الأول من يوليو 2026 أكمل الحزب الشيوعي الصيني رائد النجاحات الحزبية في العالم السنوات الخمس الأولى بعد المائة من عمره التنظيمي السياسي والإداري الناضج، متفوقاً على أنداده من الأحزاب الأخرى الآيديولوجية والقومية والشمولية الرائجة في العالم، ورغماً عن صعوبة بداياته التأسيسية، وتعقد تحدياته الفكرية، وتعدد مشكلاته التنموية استطاع الحزب الشيوعي الصيني تجاوز كل تلك العقبات بكفاءة استثنائية متجهاً بالدولة نحو انجاز الرخاء المشترك وتحقيق الحلم العظيم للأمة الصينية في العصر الجديد.
يتميز الحزب الشيوعي الصيني بهياكله ولجنته المركزية، ويتفرد بشعبيته وعضويته التنظيمية الكبيرة والتي باتت تتجاوز المائة مليون نسمة في الوقت الراهن كأكبر حزب سياسي حاكم في العالم، كما تتفرد الصين كدولة بتاريخها الغارق في القدم بعمر حضاري يصل لحوالي خمسة آلاف سنة، وبثقل سكاني كبير يصل ل 1.4 مليار نسمة، ومساحة اجمالية ممتدة تبلغ حوالي 9.6 مليون كلم² وجوار إقليمي متعدد يضم 14 دولة مختلفة القدرات والطموحات والتوجهات.
واجه الحزب الشيوعي الصيني في أطوار تكوينه الأولى تحديات سياسية وأمنية كبيرة تعرض خلالها الحزب للقمع والمطاردة، وشتى أنواع التضييق وحملات الإبادة والملاحقة، لا سيما إبان مرحلة الكفاح السري المبكر، ويحدثنا التاريخ أن الشرطة الفرنسية قد داهمت بمعاونة أمراء الحرب حينئذٍ مؤتمر الحزب التأسيسي الأول في مدينة شنغهاي، إلا أن النواة الأولي للحزب والتي تألفت من 13 عضواً عند التأسيس أخذت على عاتقها أن تبدأ، وتواصل المشوار، وتواجه التحديات والصعاب مدفوعة بإيمانها برؤيتها وعدالة قضيتها.
بنجاح تام في عام 1921 استكملت النواة الأولى للحزب تأسيس حزب سياسي واعد ذو طموح، في دولة شاسعة ومعقدة تحوي إرثاً تاريخياً عريقاً في طرائق الحكم وتدبير شئون الحياة، نجح هذا الحزب الوليد في وضع اللبنات الأولى لمسيرة حزبية ناجحة ابتدرها بالإنجاز الأعظم بتأسيسه لجمهورية الصين الشعبية في العام 1945، إلا أن الدولة الوليدة واجهت هي الأخرى في بداية عهدها تحديات جمة تمثلت في ضعف مؤسسات الدولة مع تهديدات وضغوط جيوسياسية وعزلة دبلوماسية متزايدة وتفاقم في مشكلات الغذاء والصحة وارتفاع نسبة الأمية وغيرها.
بتفرده وعصاميته عبر الحزب الشيوعي الصيني ذلك الضباب الكثيف باختياره للرؤى التنموية البعيدة، وتلمسه للطرق الاستراتيجية السديدة، وانتقائه للأدوات الفاعلة والجديدة، متوجاً مسيرته بنجاحات سياسية واقتصادية متعاظمة تروّى خلالها لاجتياز ما انطوت عليه من عقبات، متقبلاً في تواضع اخفاقاتها ما صاحبها من عثرات، محتفياً من غير غرور بما حققته من نجاحات وقفزات، ليضع الصين بفضل هذا الكفاح المضني في مراتب عالمية متقدمة اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً محطماً الكثير من الأرقام القياسية العالمية في مختلف الاتجاهات والأطر.
تمكن الحزب الشيوعي الصيني من تحقيق الكفاءة في خدمة الشعب بصبره الاستراتيجي غير المنظور مستشرفاً فضاءات استراتيجية سياسية واقتصادية وتكنولوجية وأمنية بعيدة كان من المستحيل تخيلها أو التفكير في ارتيادها عند النظر إليها من منصة تأسيس الحزب الأولى (القارب الأحمر) في العام 1921 ولكنها الإرادة الغلابة، والطموح اللامتناهي، والكفاءة العالية لقيادات الحزب ومنسوبيه التي جعلت من ذلك المستحيل واقعا.
انعكاساً لذلك شهدت الساحات العالمية السياسية والاقتصادية في العقود الماضية حضوراً صينياً متزايداً وتأثيراً دبلوماسياً متواتراً بفضل السياسات الرشيدة للحزب الشيوعي الصيني ودعمه سيادة القانون الدولي، وإطلاقه مبادرات عالمية رائدة مثل: مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية، والتي لقيت قبولاً عالمياً واسعاً لسعيها لإعادة تشكيل المفاهيم، وزوايا النظر، والأسس، والمبادئ، والقيم، والقوانين الحاكمة للعلاقات بين الدول، ولتعزيزها متطلبات إنجاز التنمية والسلام العالمي، وحماية التراث الإنساني العظيم بشكل جدي وعميق.
عزز الحزب الشيوعي الصيني من تحالفات الصين خارج المنظومات التقليدية المعروفة، إذ جعل من الصين شريكاً ومؤسساً رئيسياً في تجمع دول (BRICS) ومنظمة شنغهاي للتعاون، ولاعباً مؤثرا في تكتلات ومنصات دول الجنوب العالمي، كما وضع الحزب الركائز الأساسية لسياسة الصين الخارجية لتقوم على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وقد عزز ذلك بسياساته القائمة على التعاون الاقتصادي دون اشتراط إصلاحات سياسية كما تفعل دول الغرب مما يعكس التزام الحزب بقيمه ومبادئه المعلنة معززاً مصداقية الصين على المستوى العالمي.
أعقد ما يواجه الحزب في الوقت الحالي هو قضية تايوان والتي يسعى الحزب لطيها بالطرق السلمية دون مواجهات عسكرية من شأنها الإضرار بالوجدان الوطني الواحد، وبالقدرات الاقتصادية الهائلة للجزيرة، وبتاريخ الحزب المحتضن لمكونات الدولة وقومياتها الوطنية، لذا يطبق الحزب الشيوعي الصيني أعقد وأطول أنواع الصبر الاستراتيجي في ملف تايوان معتمداً سياسات الاحتواء السياسي والاقتصادي واستراتيجية الدمج الاجتماعي لقاطنيها، ويبقى خيار دولة واحدة ونظامان الخيار الأنسب والأصلح والأعمق استراتيجياً واقتصادياً وأمنياً للمحافظة على الوجدان الوطني والمصالح الوطنية الصينية في العصر الجديد.
تحمل ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني الخامسة بعد المائة الكثير من الدلالات والمعاني: منها التأكيد على التلاحم الوطني الصيني المستند على الروح العظيمة لتأسيس الحزب، والذي تبدى جلياً وسط الشعب باحتفائه بنهضته وبالتحولات الاجتماعية والإقتصادية العظيمة التي أنجزها الحزب، والتي تمظهرت في العقود الأخيرة في العالم أجمع عن طريق تبادلات الصين السياسية والاقتصادية والثقافية لتسهم في إعمار مختلف البيئات والمواقع في العالم أجمع.
ومن المعاني الكبرى لهذه الذكرى تعهد الحزب الشيوعي الصيني بالتمسك بمواصلة كفاحه لإنجاز المهام التاريخية العظيمة، والاستمرار في انجاز مجتمع رغيد الحياة على نحوٍ شامل، ومواصلة تعميق الإصلاح والانفتاح، ومواصلة التحديث الاشتراكي الشامل، والتمسك بمبدأ صين واحدة، والاهتمام بالتنمية الخضراء، ومواصلة بناء قوة عسكرية وتكنولوجية صينية على الطراز العالمي للدفاع عن السيادة الوطنية الصينية، مع تعزيز دور الصين في تعزيز الحوكمة العالمية المتداعية، وقد قطع الحزب في كل هذه المجالات أشواطاً بعيدة معززاً ثقة الشعب في قدرته على الوفاء بتعهداته ومسئولياته.
ويستنبط من وحي هذه الذكرى احتفاء الحزب الشيوعي الصيني بالصيننة ورضاه التام عن مخرجاتها من بعد أن دعمت “طريق الصين” وتبدت كهوية وطنية وحضارية وقيمة وطنية تضاف للموروث الحضاري الصيني الممتد، كما تعكس هذه الذكرى إصرار الحزب على التمسك بمبادئه، وأصوله الفكرية، واحتفاءه بمنطلقاته، وإصراره على مواصلة الطريق وتأييده برعاية مبادراته ذات الطابع والمردود العالمي، والتي احتفى بها العالم كأساس قوي ومسار صحيح لتحقيق الأمن، والعدالة، والرفاه العالمي في العصر الجديد.
ومن المضامين الخفية لهذه المناسبة والتي يستند عليها الحزب في مواصلة الطريق أن القيم التأسيسية للحزب الشيوعي الصيني ستظل هي القوة الدافعة المستقبلية لأبناء الحزب من بعد أن رفدت طلائع اليوم بروح المثابرة والتضحية والنضال وحفزتهم لبناء النهضة العظيمة للشعب الصيني وتأمين مستقبل الأمة الصينية، ومكنتهم من إنجاز مستوى متقدم من الردع الاستراتيجي المتكامل مما منع عنها حلقات التنمر والتآمر الخارجي التي طالما تأذت منها الصين في ماضيها البعيد.
من وحي التفاعل العالمي مع “ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي الصيني الخامسة بعد المائة” ومعالمها التاريخية الملهمة، واستناداً على إنجازات الحزب العديدة، وآفاقه الاستراتيجية البعيدة يستحق الحزب الشيوعي الصيني الرضا والثناء العالمي الذي يزين صفحات مختلف الوسائط الإعلامية حول العالم، فهو من أعاد تشكيل الخارطة الاقتصادية العالمية، وأعاد ترتيب موازين القوى على المستوى العالمي لتصبح الصين على إثر نجاحاته موضع إشادة الأمم والشعوب حول العالم، ومحط أنظار الباحثين والأكاديميين والمهتمين، وسيدة الخبر الإعلامي العالمي بلا منازع.

زر الذهاب إلى الأعلى