بعد 105 أعوام… كيف غيّرت الصين مفهوم التحديث في القرن الحادي والعشرين؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر – عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.

ليست الذكرى الخامسة بعد المئة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني مجرد محطة زمنية في تاريخ حزب سياسي، بل مناسبة للتأمل في واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في التاريخ المعاصر. فالأحزاب تُولد، وتنمو، وقد تتراجع أو تختفي، أما أن يتحول حزب خلال قرن إلى القوة التي تقود نهضة حضارية واقتصادية وعلمية بهذا الحجم، فذلك يدفعنا إلى تجاوز لغة الاحتفال نحو سؤال أكثر عمقًا: ماذا غيّرت الصين في فهم العالم لمعنى التحديث؟

لقد ساد، لعقود طويلة، اعتقادٌ بأن الحداثة لا تتحقق إلا عبر نموذج واحد، وأن الطريق إلى التنمية مرسوم سلفًا. لكن التجربة الصينية قدمت قراءة مختلفة؛ إذ أثبتت أن لكل أمة الحق في أن تصوغ مسارها التنموي بما ينسجم مع تاريخها وثقافتها واحتياجات مجتمعها، دون أن تنغلق على العالم أو تنعزل عنه.

وهنا تكمن القيمة الفكرية الكبرى للتجربة الصينية. فهي لم ترفض الاستفادة من خبرات الآخرين، لكنها لم تسمح أيضًا بأن تتحول تلك الخبرات إلى قوالب جامدة. لقد جمعت بين الانفتاح والثقة بالنفس، وبين الإصلاح والاستقرار، وبين اقتصاد السوق والتخطيط الاستراتيجي، لتؤكد أن نجاح الدول لا يتحقق باستنساخ التجارب، بل بحسن توظيفها بما يخدم المصلحة الوطنية.

وخلال مئة وخمسة أعوام، لم يكن الإنجاز الحقيقي للحزب الشيوعي الصيني مجرد بناء ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أو القضاء على الفقر المدقع، أو قيادة ثورة صناعية وتكنولوجية متقدمة، على أهمية كل ذلك، بل كان الإنجاز الأعمق هو بناء قدرة وطنية على التخطيط للمستقبل. ففي عالم تتغير فيه الحكومات والسياسات بوتيرة متسارعة، استطاعت الصين أن تجعل الرؤية بعيدة المدى جزءًا من ثقافة الدولة، وأن تربط الخطط الخمسية بهدف استراتيجي أكبر يتمثل في بناء دولة اشتراكية حديثة ومزدهرة.

إن ما يلفت الانتباه في التجربة الصينية هو أن التنمية لم تُختزل في مؤشرات النمو الاقتصادي، بل اقترنت بتحسين حياة الإنسان. فالاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والابتكار، لم يكن ترفًا تنمويًا، بل كان ركيزة لتعزيز الاستقرار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا جاءت قدرة الصين على الجمع بين النمو الاقتصادي المتسارع والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد، وهي معادلة عجزت عن تحقيقها تجارب كثيرة.

وفي السنوات الأخيرة، أضافت الصين بعدًا جديدًا لمسيرتها، حين جعلت الابتكار العلمي والتكنولوجي عنوانًا لمرحلة جديدة من التنمية. فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المتقدمة، واستكشاف الفضاء، والطاقة النظيفة، لم تعد مجرد قطاعات اقتصادية، بل أصبحت أدوات لتعزيز السيادة الوطنية، وترسيخ مكانة الصين في الاقتصاد العالمي، والإسهام في معالجة التحديات المشتركة التي تواجه البشرية.

وعلى الصعيد الدولي، لم تكتفِ الصين بتعزيز حضورها الاقتصادي، بل طرحت رؤى للتعاون الدولي تقوم على التنمية المشتركة، والربط الاقتصادي، والحوار بين الحضارات. ومهما اختلفت المواقف من هذه المبادرات، فإنها تعكس قناعة بأن عالمًا أكثر ترابطًا يحتاج إلى شراكات أوسع، وأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تكون حكرًا على عدد محدود من الدول.

ومن موقعنا الفلسطيني، لا ينبغي أن ننظر إلى التجربة الصينية بوصفها نموذجًا يُستنسخ، فلكل شعب ظروفه وتاريخه وتحدياته. لكن من حقنا أن نستخلص منها دروسًا تستحق التأمل. فالنهضة لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من وضوح الرؤية. والدولة القوية لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات الكفؤة، والتعليم النوعي، والاقتصاد المنتج، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. كما أن التمسك بالحقوق الوطنية لا يتعارض مع بناء الإنسان، بل إن الاستثمار في الإنسان هو أحد أهم أشكال الصمود الوطني.

ولعل الرسالة الأبرز التي تقدمها الصين بعد 105 أعوام هي أن التحديث ليس رحلة اقتصادية فحسب، بل مشروع حضاري متكامل، تتفاعل فيه الثقافة، والتعليم، والعلم، والإدارة، والاقتصاد، والسياسة في إطار رؤية واحدة. فالأمم التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع أن تجعل من الزمن حليفًا لها، بينما تظل الأمم التي تعيش أسيرة ردود الأفعال تدور في حلقة لا تنتهي.

لقد أثبتت الصين أن التاريخ لا يكتبه من يمتلك القوة وحدها، بل من يمتلك القدرة على تجديدها، وأن الشرعية لا تُبنى على الشعارات، بل على الإنجاز، وأن مكانة الدول لا تُقاس بما تملكه من ثروات طبيعية، بل بما تنتجه من معرفة، وما تبنيه من مؤسسات، وما توفره لشعوبها من فرص للحياة الكريمة.

وبعد مئة وخمسة أعوام، لم يعد السؤال الحقيقي كيف استطاع الحزب الشيوعي الصيني أن يبقى، بل كيف استطاع أن يجعل من الزمن شريكًا في مشروعه الوطني. فالتاريخ لا يمنح الأمم مكانتها، وإنما يمنحها الفرصة لتصنعها. والصين، وهي تدخل عامها السادس بعد المئة، تقدم للعالم درسًا بالغ الأهمية: أن المستقبل لا يُورث، ولا يُشترى، ولا يُنتظر… بل يُبنى، رؤيةً بعد رؤية، ومؤسسةً بعد مؤسسة، وإنسانًا بعد إنسان. وتلك، في تقديري، هي الرسالة التي ستبقى، حتى بعد أن تصبح الأرقام والإنجازات جزءًا من صفحات التاريخ.

م. غسان جابر – فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى