صناعة التفاهة… كيف تصدّر السطحيون المشهد العام؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : الكاتب والباحث أسعد الجوراني
نعيش اليوم في زمنٍ يفرض سؤالاً ملحّاً كيف أصبح أصحاب المحتوى السطحي أكثر حضوراً وتأثيراً من أصحاب الفكر والمعرفة؟ ولماذا تحوّل الاهتمام العام من تقدير الكفاءة والإنجاز إلى الاحتفاء بالإثارة والضجيج؟
هذه الظاهرة ليست مصادفة، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في منظومة القيم التي تحكم الفضاء الرقمي. وقد عبّر الفيلسوف الكندي آلان دونو عن ذلك في كتابه “نظام التفاهة”، موضحاً أن النجاح لم يعد رهين التميز أو العمق، بل أصبح من نصيب من يجيد صناعة الانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة أو القيمة.
إن تصدّر التافهين للمشهد العام لم يكن نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل جملة من التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
١- خوارزميات اقتصاد الانتباه
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي تقيس جودة المحتوى أو قيمته المعرفية، بل تقيس قدرته على جذب الانتباه وإطالة زمن المشاهدة. ولذلك تُكافئ الخوارزميات المحتوى المثير للجدل، أو الصادم، أو الساخر، لأنه يحفّز التفاعل السريع، بينما يتراجع المحتوى الرصين الذي يحتاج إلى تأمل وتفكير
٢- تسليع الإنسان وتحويله إلى منتج
في الاقتصاد الرقمي لم يعد الإنسان يُقاس بما يمتلكه من علم أو خبرة، بل بما يستطيع أن يجذب من متابعين ومشاهدات. وأصبحت الشركات الإعلانية تبحث عن الجماهير قبل أن تبحث عن الكفاءة فتحوّل كثير من صُنّاع المحتوى إلى أدوات تسويقية وغدت التفاهة في حالات كثيرة نشاطاً يدرّ أرباحاً طائلة
٣- التعويض النفسي والبحث عن الوجاهة
لا يمكن تجاهل البعد النفسي في هذه الظاهرة فشريحة من الذين يلهثون وراء الشهرة الرقمية لا يحملون مشروعاً فكرياً أو رسالة معرفية، وإنما يسعون إلى تعويض شعور داخلي بالنقص عبر الظهور المستمر وجمع الإعجابات والمتابعين فتغدو الشهرة بديلاً عن الإنجاز الحقيقي وعدد المتابعين بديلاً عن القيمة الفكرية والانتشار بديلاً عن الاحترام المستحق
ولهذا نرى بعضهم مستعداً لافتعال الجدل أو استعراض الخصوصيات أو تقديم أي محتوى يضمن استمرار الأضواء مسلطة عليه لأن غايته ليست بناء الوعي بل إشباع حاجة نفسية إلى الاعتراف والوجاهة الاجتماعية
٤- غياب القدوة وانسحاب النخب
ساهم تراجع الدور التربوي والثقافي للمؤسسات التعليمية والإعلامية، إلى جانب ابتعاد كثير من المثقفين عن المنصات الرقمية، في ترك فراغٍ ملأه من يملكون الجرأة على صناعة الضجيج أكثر من امتلاكهم المعرفة. فالفراغ الثقافي لا يبقى فراغاً طويلاً، بل يملؤه غالباً من يجيد لفت الأنظار لا من يستحقها.
٥- الحاجة إلى الهروب من الواقع
في ظل الضغوط الاقتصادية والنفسية المتزايدة، يبحث كثير من الناس عن محتوى لا يتطلب جهداً ذهنياً، يمنحهم لحظات من الهروب المؤقت. ويجدون في المحتوى التافه وسيلة سهلة للتسلية، فيتحول الاستهلاك العابر إلى عادة يومية تعزز انتشار هذا النوع من المحتوى.
تداعيات سيادة نظام التفاهة
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تضيع الوقت فحسب، بل تعيد تشكيل الوعي الجمعي.
فهي تزرع لدى الأجيال الناشئة تصوراً مشوهاً للنجاح، حتى يصبح حلم كثير من الشباب هو الشهرة السريعة والثروة السهلة، بدلاً من التميز العلمي أو الإبداع الفكري.
كما تؤدي إلى تمييع المنظومة الأخلاقية، حيث تتراجع معايير الحياء والمسؤولية والصدق أمام هوس المشاهدات، ويصبح كل شيء قابلاً للاستعراض إذا كان يحقق الانتشار.
أما النقاشات العامة، فتتحول من معالجة قضايا المجتمع المصيرية إلى جدالات شخصية وترندات عابرة، فيطغى الضجيج على الفكر، والانفعال على العقل، والاستهلاك على الإنتاج.
كيف نواجه هذا الطوفان؟
مواجهة التفاهة لا تكون بالرقابة وحدها، ولا بالصراخ ضدها، وإنما ببناء وعي جديد.
أولاً، الامتناع عن منحها ما تعيش عليه: الانتباه. فكل مشاهدة أو تعليق أو مشاركة، حتى لو كانت بدافع السخرية أو الغضب، تسهم في زيادة انتشارها.
ثانياً، التوقف عن متابعة الحسابات التي لا تقدم قيمة حقيقية، لأن تجاهلها هو أكثر ما يهدد استمرارها.
ثالثاً، دعم صُنّاع المحتوى الجاد، عبر المتابعة والتفاعل والنشر، فالمحتوى الهادف يحتاج إلى جمهور واعٍ بقدر حاجته إلى مبدعين.
رابعاً، ترسيخ التربية الإعلامية والنقدية لدى الأطفال والشباب، حتى يدركوا أن الشهرة ليست معياراً للنجاح، وأن كثرة المتابعين لا تعني عمق الفكرة أو قيمة صاحبها.
إن تصدّر التافهين للمشهد ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة منظومة تشارك فيها الخوارزميات، والاقتصاد الرقمي، وسلوك الجمهور، والدوافع النفسية لدى بعض صُنّاع المحتوى. فالتفاهة لا تنتصر لأنها الأقوى، بل لأنها تجد من يغذيها بالانتباه، ومن يكافئها بالمتابعة، ومن يمنحها شرعية الانتشار.
إن كل إعجاب أو مشاركة هو تصويت على شكل الفضاء العام الذي نريد أن نعيش فيه. فإذا أردنا استعادة مكانة المعرفة، فلا يكفي أن ننتقد التفاهة، بل يجب أن نتوقف عن مكافأتها، وأن نمنح اهتمامنا لمن يضيف إلى الإنسان وعياً، وإلى المجتمع فكراً، وإلى الحياة قيمة. فالأمم لا ترتقي بما تستهلكه من ضجيج، بل بما تنتجه من معرفة، وما تحتفي به من عقل وأخلاق




