من الأرض إلى القمر: آفاق التعاون الصيني العربي في الفضاء

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

في الثاني عشر من أبريل من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي لرحلات الفضاء المأهولة. وهو اليوم الذي يحيي ذكرى دخول الإنسان إلى الفضاء لأول مرة، كما يمثل لحظة يتشارك فيها المهتمون بعلوم الفضاء حول العالم التأمل في آفاقه الواسعة. وفي عام 2026، وعند النظر إلى مسار التعاون بين الصين والدول العربية في هذا المجال، تبرز ملامح واضحة لمسيرة متواصلة من التقدم، تمتد من الأقمار الصناعية للاتصالات إلى أقمار الاستشعار عن بعد، ومن استكشاف القمر إلى التعاون في محطات الفضاء.

الجزائر: تقدم في أقمار الاستشعار عن بعد
شهد شهر يناير 2026 محطة بارزة في مسار تطوير القدرات الفضائية في الجزائر. ففي 15 يناير، تم إطلاق القمر الصناعي الجزائري للاستشعار عن بعد 3A من مركز جيوتشيوان لإطلاق الأقمار الصناعية. وبعد ذلك بنحو أسبوعين، في 31 يناير، أُطلق القمر 3B إلى مداره المحدد باستخدام صاروخ من طراز لونغ مارش 2C.
إطلاق قمرين خلال شهر واحد يمثل إنجازًا مهمًا للجزائر، ويعكس في الوقت نفسه تقدمًا ملموسًا في التعاون الفضائي بين الصين والدول العربية. وقد تولت شركة تابعة للمؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء تنفيذ المشروع وفقًا لعقد تم توقيعه في يوليو 2023.
وستُستخدم هذه الأقمار في مجالات متعددة، منها رسم الخرائط، والتخطيط الزراعي، والتخطيط العمراني، ومراقبة البيئة، والحد من مخاطر الكوارث. وبذلك تسهم هذه التقنيات بشكل مباشر في تحسين الحياة اليومية، من خلال دعم التقديرات الزراعية الدقيقة، وتعزيز التخطيط الحضري، وتوفير إنذارات مبكرة للكوارث.
وكان التعاون بين البلدين في هذا المجال قد بدأ منذ سنوات، حيث أُطلق أول قمر اتصالات جزائري في عام 2017. ومنذ ذلك الحين، تطور التعاون من مجال الاتصالات إلى الاستشعار عن بعد، ما يعكس توسعًا تدريجيًا في عمقه ونطاقه.

السعودية: التصنيع المحلي والتعاون في الملاحة
في منطقة الخليج، تواصل المملكة العربية السعودية تطوير برامجها الفضائية بالتوازي مع تعاون متزايد مع الصين. ففي مارس 2026، وخلال مؤتمر دولي للاستشعار عن بعد في الرياض، أُعلن عن خطط لإطلاق القمر الصناعي SAT 5B، وهو قمر تم تصنيعه محليًا، وسيُطلق باستخدام صاروخ صيني.
ويمثل هذا المشروع أكثر من مجرد عملية إطلاق، إذ يندرج ضمن إطار أوسع للتعاون العلمي بين الجانبين. كما يعمل الطرفان على دراسة استخدام نظام بيدو للملاحة عبر الأقمار الصناعية، بهدف تطوير حلول تتناسب مع الاحتياجات المحلية، بما يسهم في توفير خدمات دقيقة في تحديد المواقع.

استكشاف القمر: تعاون بين البحرين ومصر
في مجال استكشاف القمر، برزت مبادرة مشتركة بين البحرين ومصر، حيث تم تطوير كاميرا متعددة الأطياف بالتعاون بين البلدين، ومن المقرر أن تُستخدم ضمن مهمة تشانغ آه 7 الصينية لتحليل مكونات سطح القمر.
وجاء هذا التعاون في إطار مبادرة دولية طرحتها الصين لإتاحة فرص المشاركة في المهمة، حيث قدم فريق مشترك من البحرين ومصر مقترحًا تقنيًا تم اعتماده بعد مراحل من التقييم والتنسيق.
ويمثل هذا المشروع خطوة مهمة، كونه أول مشاركة عربية مشتركة في مهمة لاستكشاف القمر، وكذلك أول تعاون فعلي بين الصين ودول عربية في مجال استكشاف الفضاء العميق. كما يسهم في تطوير القدرات العلمية والتقنية، ويوفر فرصًا عملية للكوادر المتخصصة في علوم الفضاء.

الإمارات: آفاق التعاون في محطات الفضاء
حققت دولة الإمارات العربية المتحدة تقدمًا لافتًا في مجال الفضاء خلال السنوات الأخيرة، من خلال مشاريع متعددة في استكشاف الكواكب والمهام القمرية. وفي هذا السياق، يتوسع التعاون مع الصين ليشمل مجالات جديدة.
فبموجب اتفاق تم توقيعه في عام 2022، من المخطط أن يشارك مسبار قمري إماراتي ضمن مهمة تشانغ آه 7، حيث تتولى الإمارات تطوير المركبة، بينما توفر الصين خدمات الإطلاق والدعم الفني، مع تقاسم نتائج المهمة.
الأهم من ذلك، كشف حسن أحمد، الرئيس التنفيذي لمجموعة دبي للاستثمار الفضائي في الإمارات، في مقال له، أن الجانب الصيني أعرب عن ترحيبه بمشاركة رواد فضاء من دول مجلس التعاون الخليجي في مهام على متن محطة الفضاء الصينية، بما يشمل تنفيذ رحلات مشتركة وإجراء تجارب علمية في الفضاء.
وإذا ما تحقق هذا التوجه، فستكون الإمارات، بل والعالم العربي بأسره، أمام أول مشاركة لرواد فضاء عرب على متن محطة الفضاء الصينية، وهو ما سيمثل محطة بارزة جديدة في مسار التعاون الفضائي بين الصين والدول العربية.

الأطر متعددة الأطراف: دعم مؤسسي للتعاون
إلى جانب التعاون الثنائي، تلعب الأطر متعددة الأطراف دورًا مهمًا في تعزيز هذا المسار، مثل منتدى التعاون الصيني العربي، ومنصات الحوار مع دول مجلس التعاون الخليجي، حيث توفر هذه الآليات بيئة للتنسيق وتطوير المشاريع المشتركة.
كما تتوسع مجالات التعاون لتشمل تطبيقات الفضاء، والبنية التحتية، وتبادل البيانات، والتدريب، إلى جانب مناقشة مبادرات مستقبلية في استكشاف القمر والفضاء العميق.
وفي سياق متصل، تشهد مصر أيضًا تطورًا في التعاون مع الصين في مجالات الاستشعار عن بعد وتبادل البيانات، بما في ذلك دراسة إمكانية استقبال بيانات الأقمار الصناعية، وهو ما قد يسهم في دعم البنية التحتية للمعلومات في شمال إفريقيا، ويوفر خدماته لعدد من دول المنطقة.

شراكة تقوم على التكامل
من أقمار الاستشعار عن بعد في الجزائر، إلى التعاون في أنظمة الملاحة مع السعودية، ومن الكاميرا القمرية المشتركة بين البحرين ومصر، إلى آفاق التعاون في محطات الفضاء مع الإمارات، يتشكل تدريجيًا نموذج متكامل للتعاون الفضائي بين الصين والدول العربية، يقوم على تعدد المستويات وتنوع المجالات وتكامل الشركاء.
ويجمع هذه النماذج المختلفة قاسم مشترك واضح، يتمثل في أن هذا التعاون لا يقوم على نقل التكنولوجيا من طرف إلى آخر، بل على شراكة عملية تنطلق من احتياجات كل جانب. ففي الجزائر، جاء مشروع أقمار الاستشعار عن بعد استجابة لاحتياجاتها في إدارة الأراضي، وفي السعودية، يتقدم التعاون في مجال الملاحة بما يتوافق مع متطلبات الاستخدام المحلي. أما في مشروع استكشاف القمر بين البحرين ومصر، فقد انطلق من مبادرة تقنية مشتركة تم تطويرها واعتمادها عبر التنسيق بين الجانبين، وفي تجربة الإمارات مع محطات الفضاء، يتشكل التعاون على أساس من التفاهم والتوافق.
في كل هذه الحالات، توفر الصين منصات وفرصًا للتعاون، بينما يحدد الشركاء العرب مسارات المشاركة وفق أولوياتهم التنموية وخططهم الاستراتيجية. وهكذا تتكامل القدرات، وتتقاطع المصالح، ويتحقق التقدم بشكل مشترك.
وهنا تكمن قيمة التعاون الفضائي بين الصين والدول العربية، فهو ليس مجرد قصة “المساعدة من طرف واحد”، بل قصة “العمل معًا”. وفي يوم 12 أبريل، اليوم الذي يحتفي به العالم بأسره بحلم الإنسان في استكشاف الفضاء، يبرز هذا النموذج القائم على المساواة والواقعية والمنفعة المتبادلة، وربما يكون أهم وأجدى تذكرًا من أي إنجاز تقني فردي.

زر الذهاب إلى الأعلى