الصين ومضيق هرمز: لماذا يهم استقرار الخليج لجيوب الناس قبل سياسات الدول؟

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.
قد يبدو الحديث عن صراع قرب مضيق هرمز موضوعاً بعيداً عن حياة الناس اليومية، لكن الحقيقة أن أي توتر في هذا الممر الضيق ينعكس فوراً على أسعار البنزين، اسطوانة الغاز، وكيس السكر. لذلك تهتم الصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، بتأمين هذا الممر الحيوي، ليس بدافع القوة، بل لضمان بقاء المنطقة مستقرة وطرق التجارة مفتوحة.
لماذا يهم المضيق للصين؟ ولماذا يهمنا نحن؟
يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من النفط الذي يغذّي مصانع الصين الضخمة. وعندما يتوقف هذا النفط، ترتفع الأسعار عالمياً فوراً.
وما يحدث عالمياً يصل سريعاً إلى كل بيت عربي:
يرتفع سعر البنزين.
ترتفع تعرفة الشحن.
يرتفع سعر الدقيق والزيت والسكر.
تزيد فاتورة الغاز المنزلي.
ولهذا السبب، تحرص الصين على بقاء المضيق آمناً، لأنها تعرف أن الاضطرابات هناك تصيب اقتصادها أولاً، ثم تمتد إلى أسواق العالم كلها.
الصين: حماية المصالح بلا مدافع
بدلاً من إرسال جيوش وقواعد عسكرية، تعتمد الصين على ثلاث أدوات أساسية:
1. الدبلوماسية قبل السلاح
الصين تؤمن أن منع الحرب أفضل من خوضها.
لذلك توسطت بين السعودية وإيران عام 2023، ونجحت في خفض التوتر. وعندما ارتفعت حرارة المشهد مرة أخرى عام 2026، فتحت قنوات اتصال مباشرة مع طهران والرياض لتهدئة التصعيد وضمان استمرار حركة الملاحة.
2. بناء طرق بديلة للطاقة
الصين تعمل منذ سنوات على تخفيف اعتمادها الكامل على المضيق.
فهي تستثمر مليارات الدولارات في:
ميناء الدقم في عُمان،
ميناء خليفة في الإمارات،
خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي ينقل النفط بعيداً عن المضيق،
ممر “جوادر – الصين” عبر باكستان.
هذه المشاريع تمنحها هامش أمان أكبر إذا حصلت أزمة كبيرة.
3. حضور عسكري خفيف وغير استفزازي
الصين لا تملك قواعد عسكرية قرب المضيق، بل تكتفي بإرسال سفن بشكل دوري.
كما تستخدم الموانئ التي تستثمر فيها كدعم لوجستي عند الضرورة.
بهذه الطريقة تحفظ مصالحها دون الدخول في سباق تسلح مع القوات الأمريكية الموجودة أصلاً في الخليج.
التأثير المباشر على المواطن العربي
عندما يتوتر الخليج، ترتفع أسعار النفط فوراً.
ومع كل دولار يرتفع في سعر البرميل، يشعر المواطن العربي بالفرق في حياته اليومية:
سعر البنزين يرتفع → ترتفع أسعار التاكسي والنقل والشحن.
تكلفة الشحن ترتفع → تزيد أسعار الخضار والفواكه والمواد الغذائية.
سعر الغاز يرتفع → ترتفع كلفة الطبخ والتدفئة.
السلع الأساسية تصبح أغلى لأن استيرادها أصبح أكثر كلفة.
لذلك، اهتمام الصين باستقرار المنطقة لا يخدمها وحدها، بل يساعد أيضاً على إبقاء أسعار السلع في العالم العربي عند حدود محتملة.
توازن صيني حساس بين الجميع
الصين نجحت حتى الآن في الحفاظ على علاقة متوازنة مع:
الخليج العربي،
إيران،
الولايات المتحدة.
وهي تعلم أن أي انحياز صارخ قد يضر مصالحها. لذلك تقدّم نفسها كقوة تسعى لخفض التوترات لا لزيادتها.
نقول : أمن الخليج ليس رفاهية، بل جزء من معيشة يومية
مسألة أمن مضيق هرمز ليست شأناً سياسياً بعيداً عن الناس.
إنها مرتبطة مباشرة بقدرة المواطن العربي على ملء سيارته بالوقود، وشراء الغاز المنزلي، ودفع فاتورة المنتجات الغذائية.
الصين بدورها تتعامل مع أمن المضيق كمسألة حياة اقتصادية لها، لكنها في الوقت نفسه تقدّم نموذجاً يعتمد على الاستثمار والدبلوماسية بدلاً من السلاح.
وهو نموذج يمنح المنطقة فرصة للاستقرار، ويخفّف من موجات غلاء عالمية تصيب شعوب الشرق الأوسط قبل غيرها.



