الببغاوات الرقمية سارقو الأفكار وعُقَد الوجاهة الاجتماعية

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : أسعد الجوراني
لقد ابتلينا في الفضاء الافتراضي المعاصر بظاهرة أقل ما يُقال عنها أنها (مأساة معرفية) حيث تحولت العناوين الفخمة والصفات الرصينة مثل (المفكر، الباحث، والكاتب) إلى مجرد (مكياج رقمي) يضعه كل من يعاني من فقر حاد في الوعي وجوع مزمن للوجاهة الاجتماعية. لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من منصات للتواصل إلى مسارح هزلية يمارس فيها البعض عملية سطو علني على ألقاب لم يذوقوا مرارة تحصيلها متوهمين أن إطلاق هذه المسميات أمر متاح مجاناً للجميع وغايتهم القصيرة لا تتعدى الاستعراض البائس تبيان عن عقد نفسية متجذرة
إن هؤلاء ليسوا سوى (صبيان الفكر) أدعياء يتسورون جدران المعرفة بوقاحة يتصورون أن مجرد نسخ النصوص وتقنينها الجمل الفضفاضة وتقليد حركات وهيئات الفلاسفة كفيل بأن يمنحهم تذكرة عبور إلى نادي النخبة المعرفية والأكاديمية
إن أخطر ما يمارسه هؤلاء الصبيان هو السطو الممنهج على نتاج الآخرين؛ فهم مجرد ببغاوات وسراق لأفكار غيرهم ، يقتنصون الرؤى الصادمة والأطروحات العميقة التي سهر عليها المفكرون الحقيقيون سنوات من البحث والتأمل فينسخونها وينسبونها لأنفسهم دون خجل، ليوهموا المجتمع بأنهم أصحاب فتحٍ معرفي رصين
إن وضع اسم (مفكر) في الحسابات الشخصية لا يصنع وعياً والتشدق بمصطلحات لا يفقه سراقها أبعادها لا يبني فكراً
المفكر الحقيقي ليس ظاهرة صوتية تقتات على جهد غيرها،
بل هو نسق معرفي صارم يتسم بخصائص محددة يفتقر إليها هؤلاء الأدعياء تماماً، المفكر يمارس عملاً عقلياً منهجياً وشاقاً؛
لا يكتفي بتلقي المعارف أو حفظها بل يقوم بتحليلها ونقدها وإعادة إنتاجها لتقديم رؤى جديدة
بينما صبيان الفكر يكتفون بالترديد الببغائي الأعمى والسطو على نتاج المفكرين الحقيقيين
المفكر لا يتحرك عشوائياً مدفوعاً برغبة الظهور بل يمتلك أدوات منهجية ورؤية نقدية تتيح له التغلغل إلى عمق الظواهر الإنسانية والاجتماعية والفلسفية أما المستعرض السارق فيطفو على السطح وتتحكم في منشوراته المسروقة خوارزميات الإعجاب والتعليقات !!!
ومن أبرز سمات المفكر أنه يرفض المسلمات الجاهزة واليقين غير المبرهن ويخضع كل فكرة للفحص والتحليل العقلاني
في المقابل يعيش المقلد على تقديس القوالب الجاهزة وسرقة أفكار الآخرين دون وعي بأصولها
يسعى المفكر لبناء فهم كلي للوجود والإنسان ويربط بين حقول المعرفة المختلفة (علمية، إنسانية، وفلسفية) في إطار تكاملي صارم. أما الأدعياء فلا يملكون سوى شذرات مسروقة متناثرة لا يربط بينها رابط سوى رغبتهم في لفت الانتباه .
المفكر لا يقتصر دوره على الاستهلاك الثقافي إنما ينتج أفكاراً نظريات أو أطروحات تسهم في تنوير المجتمع وتطوير الوعي الإنساني أما المتقمص فإنه يعيد تدوير النفايات الفكرية وسرقات الجهد الإنساني ليوهم متابعيه بأنه يأتي بما لم تأتِ به الأوائل .
لقد تحولت صفة (المفكر) لدى هذه الفئة من صبيان الثقافة إلى أداة لترميم الذات المكسورة إنها محاولة بائسة للتعويض عن مركب النقص والعقد النفسية التي تدفع الفرد للبحث عن تقديس مجاني من قِبل جمهور قد يكون أكثر منه جهلاً، إنهم يعانون من وهم المعرفة القائم على السرقة والتقليد ويتخذون من منصات التواصل بيئة خصبة لإنبات أصنام ذهنية جديدة يتصدرون هم مشهد سدنتها.
رسالة صريحة إلى هؤلاء الصبيان الببغاوات
الفكر ليس استعراضاً والكتابة ليست لصوصية مقنعة والبحث ليس تجميعاً أعمى وسرقة لجهود الآخرين على هؤلاء المتقمصين السراق أن يتأدبوا أمام جلال المعرفة وأن يدركوا أن (مهندس الوعي) هو من يفكك الأوهام والأصنام الذهنية ليعيد بناء المفاهيم على أسس من العقلانية المطلقة والانفتاح المعرفي والتطور المستمر المستند إلى الحقائق والبرهان وليس من يتخذ من سرقة الفكر وسيلة رخيصة لسد فجوات نفسه المأزومة وتغطية عورات جهله المركب
كفوا عن تشويه المشهد الثقافي بسرقاتكم المفضوحة فالألقاب الحقيقية تُنتزع بالإنتاج الأصيل الرصين والنضج الفكري
ولا تُمنح لـ ببغاء يجيد النسخ واللصق على شاشات الهواتف




