من التعريف إلى التفاعل.. كيف توسع الصين حضورها الثقافي في العالم العربي؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين – أصدقاء وحلفاء الصين

لم تعد القوة الناعمة في عالم اليوم تُقاس بحجم الخطابات الرسمية أو كثافة المؤتمرات الدبلوماسية، بل بقدرة الدول على الوصول إلى الوعي اليومي للناس: كيف يفكرون، ماذا يشاهدون، وكيف يتفاعلون مع العالم. ومن هذا المنظور، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة التفكير في أدوات الحضور الثقافي الصيني في العالم العربي، انتقالاً من مرحلة “التعريف بالذات” إلى مرحلة “التفاعل مع الآخر”.
الصين، رغم ثقلها الاقتصادي والتنموي المتصاعد، ما زالت بحاجة إلى نقلة نوعية في مجال الثقافة، تنقلها من دائرة الإنجازات المجردة إلى فضاء التجربة الإنسانية الحية. فالعالم العربي لا يفتقر إلى المعلومات عن الصين، بقدر ما يفتقر إلى تجربة ثقافية حية تجعل الصين جزءاً من فضائه اليومي، لا مجرد شريك اقتصادي بعيد أو حليف سياسي في المحافل الدولية.
اللغة أولاً.. فهي ليست وعاء تواصل، بل مفتاح الوجود في عقل الآخر وروحه. وكلما توسع تعليم اللغة الصينية في الجامعات والمدارس العربية، وتطورت أدواتها الرقمية، وارتبطت بفرص وظيفية ملموسة، اتسعت مساحة الفهم المتبادل، وتراجعت الفجوات التي ما زالت تفصل بين الجانبين. لقد أثبتت التجارب العالمية أن انتشار اللغة يسبق انتشار النفوذ، ويؤسس لجسور لا تنهار بتقلبات السياسة.
الإعلام المشترك خطوة لا غنى عنها في هذا المسار. لم يعد كافياً أن يُقدّم الإعلام الصيني للعرب بصيغة ترجمة أو نقل مباشر، بل المطلوب هو إنتاج محتوى مشترك يشارك في صناعته صحفيون عرب وصينيون معاً، يعكس الواقع من زوايا متعددة، ويقدّم الصين بعيون عربية، والعالم العربي بعيون صينية، بعيداً عن القوالب الجاهزة والصور النمطية. وهنا يأتي دور الإعلاميين المستقلين كجسر ثقافي حقيقي بين الضفتين.
أما الثقافة الشعبية، فتمثّل مفتاح التأثير الأسرع في الجيل الجديد. فالأفلام، والمسلسلات، والموسيقى، والألعاب الرقمية، باتت اليوم أكثر تأثيراً من آلاف الصفحات المكتوبة والخطابات الرسمية. وهنا يكمن تحدٍ كبير أمام الصين: كيف تنتقل من كونها قوة إنتاجية ضخمة إلى قوة سردية قادرة على الإلهام والجذب؟ الدراما التركية نجحت لأنها قدمت قيماً إنسانية مشتركة في قالب محلي جذاب، والدراما الكورية انتشرت لأنها عرفت كيف تلامس وجدان الشباب. والصين تملك من الإرث الحضاري والطاقة الإبداعية ما يؤهلها لصناعة محتوى بصري يأسر القلوب العربية.
وفي العمق الاستراتيجي، الجامعات والبحث العلمي تمثّل المجال الأبطأ تأثيراً لكن الأكثر استدامة. فبرامج التبادل الأكاديمي، والدراسات المشتركة، والمنح الدراسية، ليست مجرد أدوات تعليمية، بل استثمار طويل المدى في تشكيل النخب الفكرية وصناعة الفهم المتبادل بين الشعوب. إن تكوين جيل من الباحثين العرب المتخصصين في الشأن الصيني، وآخر من الصينيين المتعمقين في الثقافة العربية، هو الضمانة الحقيقية لاستمرارية العلاقات الثقافية.
ولا تغفل الفعاليات الثقافية الحية دورها الحساس؛ فالمعارض، والمهرجانات، والأسابيع الثقافية المشتركة، تنقل الثقافة من الورق والشاشة إلى الواقع الملموس، وتخلق نوعاً من التفاعل المباشر الذي يعجز عنه الإعلام التقليدي. إن حضور الخط العربي في معارض بكين، وفنون الطهي الصينية في شوارع القاهرة والرباط، يزرع ألفة لا تنتجها المؤتمرات الرسمية.
أما الفضاء الرقمي حيث يعيش الجيل الجديد، فالمحتوى القصير، والبودكاست، والمنصات التفاعلية، والمؤثرون، باتوا اليوم بوابة رئيسية لتشكيل الصورة الذهنية عن أي بلد. ومن دون حضور قوي وذكي في هذا الفضاء، تبقى أي قوة ناعمة ناقصة التأثير. لقد أثبت المؤثرون العرب الذين زاروا الصين ونقلوا تفاصيل حياتها اليومية – من طعام ومواصلات وتكنولوجيا – أن الصورة الصادقة تسبق أي حملة دعائية ممنهجة.
وفي العمق، فإن التحدي الحقيقي أمام الصين ليس في نقص الموارد أو الإمكانات، بل في طريقة السرد. فالعالم لا يتفاعل مع الدول من خلال إنجازاتها فقط، بل من خلال القصص التي تُروى عنها. وكلما تحولت الصين من “دولة تُعرّف نفسها” إلى “دولة تُفهم من خلال قصصها الإنسانية” – قصص الطالب، والفنان، ورائد الأعمال، والطبيب، والباحث – اتسع حضورها الثقافي بشكل طبيعي وعميق، بعيداً عن الخطابات الجاهزة.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية والصينية، وفي مقدمتها الاتحادات والمنتديات المهنية، في بناء منصات للحوار وإنتاج محتوى مشترك، وتشجيع الترجمة، والتبادل الإعلامي، والتدريب، وإطلاق مبادرات ثقافية تعكس عمق الحضارتين. فالقوة الناعمة لا تُفرض، بل تُبنى بالتواصل والثقة والاحترام المتبادل.
في الختام، فإن المستقبل لا ينتظر من يمتلك القوة الاقتصادية فقط، بل من يجيد تحويل هذه القوة إلى ثقافة مفهومة، وتجربة إنسانية قريبة من الناس. ومن التعريف إلى التفاعل، ومن الخطاب إلى الحكاية، ومن العرض إلى الشراكة، تتشكل القوة الناعمة القادرة على بناء جسور دائمة بين الشعوب. وإذا نجحت الصين في هذا التحول، فإن العلاقات العربية الصينية ستنتقل من مرحلة المصالح المشتركة إلى مرحلة الشراكة الحضارية، وهو ما سيخدم مستقبل الجانبين في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الحوار والتعددية والتفاهم بين الثقافات.

زر الذهاب إلى الأعلى