ظاهرة نبش القبور واستهداف الرفات البشري عبر التاريخ

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : أسعد الجوراني
تمثل ظاهرة نبش القبور واستهداف الرفات البشري عبر التاريخ أحد المظاهر السلوكية الأكثر حدة في سياق النزاعات الإنسانية بأبعادها السياسية، العقائدية، والاقتصادية. وتكشف هذه الممارسة الانتهاكية أن الموت والتواري عن الأنظار لم يشكّلا –في كثير من الأحيان– جداراً مانعاً دون استمرار الخصومات العنيفة والحقد الذقين؛ بل تحولت الأجساد المقبورة إلى امتداد مادي ورمزي للمعارك التي خاضها الإنسان ،تتعدد الموجهات
لهذا الفعل بين الانتقام السياسي المؤسسي، الصراع المذهبي الطائفي، السلب والنهب الاقتصادي، أو إخضاع الموتى لمحاكمات صورية تصفيةً لحسابات أيديولوجية عجز الأحياء عن حسمها في فترات السيادة العينية للمتوفين. ويستعرض هذا البحث رصداً تحليلياً لأبرز حوادث نبش القبور في التاريخ الإنساني وسياقاتها البنيوية
1. الانتقام السياسي وتصفية الحسابات السيادية
أ. تقويض الرموز الأموية على يد السلطة العباسية الناشئة (132 هـ / 750 م)
تُصنف هذه الحادثة كإحدى أعنف ممارسات الانتقام السياسي المؤسسي في التاريخ الإسلامي؛ فمع تقويض أركان الدولة الأموية وصعود الدولة العباسية، عمد القائد العباسي عبد الله بن علي إلى تتبع مقابر خلفاء بني أمية في دمشق وقنسرين وثغور الشام ونبشها، في محاولة لمحو الإرث الرمزي للسلالة الحاكمة السابقة :
معاوية بن أبي سفيان: أسفر نبش قبره عن العثور على حطام مادي دقيق (خيط كالرماد).
عبد الملك بن مروان: لم يُعثر في قبره سوى على أجزاء من الجمجمة.
هشام بن عبد الملك: وُجدت جثمانه شبه مكتملة، فتعرضت للتنكيل (الضرب بالسياط)، ثم الصلب والحرق، وذرّ الرماد في الرياح، في سلوك انتقامي
استثناء عمر بن عبد العزيز: شكّل مرقد الخليفة عمر بن عبد العزيز استثناءً من هذه الإجراءات، نظراً لمكانته العالية وزهده الذي كان محل احترام عند الجميع
ب. المقاربة السلطوية مع المزارات الرمزية: هدم قبر الإمام الحسين بن علي (ع) (236 هـ)
في سياق التحولات السياسية للعصر العباسي الثاني، وضمن استراتيجيات التضييق على الرموز العلوية المعارضة، أمر الخليفة المتوكل على الله بهدم ونبش مرقد الإمام الحسين بن علي (ع) في كربلاء. وتجاوز الفعل الهدم إلى محاولة الطمس الجغرافي عبر حرث الأرض وإجراء المياه عليها، بهدف تقويض الرمزية ومنع التجمعات البشرية الموالية أثار غضباً كبيراً في الأوساط الإسلامية حينها
ج. محاكمة الرفات في سياق الاستعادة الملكية الإنجليزية: أوليفر كرومويل (1661 م)
عقب انهيار التجربة الجمهورية الإنجليزية وإعادة ترميم النظام الملكي بقيادة تشارلز الثاني، أصدر البرلمان الإنجليزي قراراً ذا طابع انتقامي رمزي بحق القائد اللورد الحامي أوليفر كرومويل (المسؤول الأول عن إعدام الملك تشارلز الأول). ورغم مرور عامين على وفاته ودَفنه في مقبرة “وستمنستر”، أُخرجت جثته لتمثل أمام محاكمة صورية بتهمة الخيانة العظمى، حيث نُفذ فيها حكم الإعدام الرمزي عبر التعليق في المشنقة، ثم فصل الرأس وعرضه على وتد عام أمام مبنى البرلمان لسنوات، كأداة ردع سياسي وإعادة تثبيت للمشروعية الملكية.

2. الصراعات المذهبية والفقهية
أ. “محاكمة الجثة البابوية” أو مجمع الجثث (897 م)
تُمثل هذه الحادثة إحدى أكثر الوقائع السريالية في تاريخ البابوية الكاثوليكية خلال العصور الوسطى؛ حيث قام البابا ستيفن السادس بنبش جثة سلفه البابا فورموسوس لإخضاعها لمحاكمة كنسية وسياسية. أُلبس الرفات المتصلب الثياب الحبرية الرسمية وأُجلس على كرسي البابوية، وتم تعيين شماس للإجابة نيابة عن الميت. انتهت المحاكمة بإدانة فورموسوس بأثر رجعي، وقُطعت أصابع يده اليمنى (المستخدمة في مباركة الرعية)، ثم سُحبت الجثة في شوارع روما وأُلقيت في نهر التيبر، في تجسيد للصراع الفصائلي الحاد على السلطة الزمنية والدينية في إيطاليا.
ب. الاحتقان الطائفي في بغداد: استهداف مشهد الكاظمية (443 هـ)
خلال القرن الخامس الهجري، شهدت بغداد فتناً طائفية عنيفة بين العوام من الحنابلة أهل السنة والشيعة في حي الكرخ. وفي إحدى هذه الفتن، تطور الأمر إلى الهجوم على المقابر؛ حيث قام بعض العوام بنبش وتخريب قبور بعض الرموز والأئمة في مشهد الكاظمية، ونهب محتوياتها نتيجة للاحتقان المذهبي المتبادل

3. النهب الاقتصادي وسرقة الآثار وادي الملوك في مصر القديمة
لم تكن المقابر الفرعونية بمأمن من النبش، بل إن أغلبها تعرض للنهب المنظم منذ العصور القديمة على يد لصوص المقابر (وأحياناً بتواطؤ من بعض الكهنة أو الحراس في فترات ضعف الدولة)، طمعاً في الذهب والكنوز المدفونة مع الملوك.
حتى مقبرة الملك الشهير توت عنخ آمون، تشير الدلائل الأثرية إلى أنها نُهبت مرتين على الأقل في العصور القديمة قبل أن يُعاد إغلاقها وتختفي تحت الرماد حتى اكتشافها عام 1922.
مقابر الميروفنجيين والأنجلوسكسونيين في أوروبا
تعرضت مقابر الملوك والنبلاء في فرنسا وألمانيا وإنجلترا عبر القرون لعمليات نبش واسعة من قِبل الباحثين عن الثروات، حيث ركز الناهبون على استخراج الحلي الذهبية والفضية، متلفين في طريقهم الهياكل العظمية والأسلحة الحديدية والدروع التي لا تمثل لهم قيمة مالية فورية.

4. العصر الحديث والتحولات المعاصرة
نبش القبور في الثورة الفرنسية (1793 م)
خلال أوج الهياج الثوري ضد الملكية والكنيسة، اقتحم الثوار الفرنسيون كنيسة “سان ديني” (مدفن ملوك فرنسا)، وقاموا بنبش قبور عشرات الملوك والملكات (مثل لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر)، وألقوا برفاتهم في مقابر جماعية مغطاة بالجير الحي لطمس الإرث الملكي كلياً.

تدنيس القبور في النزاعات المعاصرة
في العقود الأخيرة، تكررت الحوادث المدفوعة بالأيديولوجيات المتطرفة أو النزاعات المسلحة؛ مثل ما شهدته بعض المناطق في الشرق الأوسط (شمال إفريقيا والشام) بعد عام 2011 من اعتداءات وهدم لأضرحة وقبور تاريخية وصوفية من قِبل جماعات متشددة بدعوى (محاربة الشرك)

تؤكد القراءة الاستقرائية للمسار التاريخي لظاهرة نبش القبور أن الجسد الإنساني بعد وفاته يظل مهدداً بالتحول إلى مسرح للصراع السياسي، العقائدي، أو الاقتصادي. إن استهداف الرفات لا يمثل مجرد اعتداء مادي على حرمة الموت ، بل هو أداة سياسية ورمزية يسعى من خلالها الفاعل المنتصر (سواء كان سلطة مؤسسية، أو تياراً مذهبياً، أو حركة ثورية) إلى تحقيق انتصار رمزي حاسم ومؤجل؛ عجز عن تحقيقه بالكامل في حياة الخصم ، كما إن صون كرامة الموتى هو جزء لا يتجزأ من صون كرامة المجتمع بأكمله. والحد من هذه الظاهرة لا يعتمد على الأمن والقانون فحسب، بل يرتكز بالدرجة الأولى على الوعي الفكري والالتزام الأخلاقي الذي يحمي ضمير المجتمع من الانحدار

زر الذهاب إلى الأعلى