الجغرافيا وحدها لا تكفي… هل يضيع اليمن فرصته الذهبية في اقتصاد العالم الجديد؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصن

في عالم يعيد تشكيل قواعده الاقتصادية بسرعة قياسية، لم تعد التجارة التقليدية وحدها هي مقياس القوة والنفوذ. اليوم، باتت سلاسل الإمداد، والبنية التحتية، ومصادر الطاقة، والتكنولوجيا هي العناصر الحاكمة في رسم ملامح الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، تتصاعد العلاقات العربية الصينية كنموذج تنموي طموح، يقوده مسار عملي تجسّده مبادرات كبرى، على رأسها مبادرة الحزام والطريق، التي تهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.

وتقوم الرؤية الصينية على شراكات بعيدة المدى مع الدول النامية، تركّز على الاستثمار في البنية التحتية، ودعم التنمية المستدامة، وتعزيز التكامل الاقتصادي. هذا النهج جعل من التجربة الصينية واحدة من أكثر النماذج تأثيراً في مسارات التنمية الحديثة، ليس فقط من خلال التمويل، بل بنقل الخبرات وبناء القدرات.

وفي قلب هذا المشهد المتغير، يبرز اليمن بموقع جيوستراتيجي فريد، حيث يقع عند ملتقى البحر الأحمر والبحر العربي، مشرفاً على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية سنوياً. هذا الموقع يمنح اليمن فرصة حقيقية ليكون حلقة وصل محورية في شبكات التجارة العالمية ومشاريع الربط اللوجستي الكبرى، خصوصاً في إطار مبادرة الحزام والطريق التي تولي البحر الأحمر أهمية استراتيجية قصوى.

لكن الإشكالية الأساسية التي تطرح اليوم هي: لماذا لم يتحوّل هذا الموقع الاستثنائي بعد إلى قوة اقتصادية فعلية؟

الإجابة تكمن في معادلة مركزية في الاقتصاد السياسي الحديث: الجغرافيا تخلق الفرص، ولكن الاستقرار هو الذي يصنع القيمة. فالتحديات الداخلية المتصلة بانعدام الاستقرار، وضعف البنية التحتية، وتراجع القدرات المؤسسية، حالت دون استثمار هذا الموقع الذهبي، وحوّلت اليمن إلى “فرصة مؤجلة” بدلاً من أن يكون “قيمة فاعلة” في المعادلة العالمية.

ورغم هذه التحديات، يبقى المشهد مشجعاً في جانب مهم، ألا وهو استمرار الحضور الصيني في اليمن. هذا الحضور لم يتوقف عند حدود التجارة التقليدية، بل امتد ليشمل التعاون التنموي، ودخول التقنيات الحديثة إلى الأسواق المحلية، في نهج صيني واضح يقوم على الاستمرارية في بناء العلاقات، وعدم ربطها بالظروف اللحظية، بل بالنظر إلى المستقبل وإمكانية التطور التدريجي للشراكات.

على أرض الواقع، تعاني مدن رئيسية مثل عدن والمكلا والحديدة من أزمة كهرباء حادة، خاصة في فصل الصيف. وهنا، لعبت حلول الطاقة الشمسية وبطاريات الليثيوم المستوردة من الصين دوراً ملموساً في التخفيف من وطأة هذه الأزمة، إلى جانب توسع أنشطة إعادة التدوير التي وفّرت دخلاً للعديد من الأسر، في انعكاس لاقتصاد محلي مرن يسير تدريجياً نحو مواءمة الاتجاهات العالمية نحو الاقتصاد الدائري والتنمية الخضراء.

وعلى الصعيد الاقتصادي الرسمي، برزت مؤشرات تعاون متزايدة بين اليمن والصين، تشمل تسهيل التبادل التجاري، وفتح آفاق أوسع أمام الصادرات البحرية، وصولاً إلى مناقشات جادة لتطوير ميناء عدن وربطه بخطوط شحن مباشرة مع الموانئ الصينية. هذه الخطوات، إن اكتملت، ستعزز موقع اليمن في خرائط التجارة الدولية، وتعيد له دوره التاريخي كبوابة للبحر الأحمر.

في النهائية، تؤكد التجربة أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لصناعة التنمية، وأن تحويل الموقع الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية يتطلب استقراراً داخلياً، ورؤية وطنية واضحة، وشراكات دولية فاعلة. وبينما تمضي الصين قدماً في رؤيتها التنموية طويلة الأمد القائمة على الربط والتعاون المشترك، يبقى مستقبل اليمن مرهوناً بقدرته على تجاوز تحدياته الداخلية، وتحويل موقعه من “فرصة مؤجلة” إلى “قيمة اقتصادية فاعلة” داخل النظام الاقتصادي العالمي المتغير.

اليمن يمتلك المقوّمات، والصين تمتلك الرؤية والاستعداد للشراكة. لكن الغائب الأكبر حتى الآن هو الإرادة الداخلية القادرة على خلق البيئة الآمنة والمستقرة التي تحوّل الأحلام إلى حقائق، والجغرافيا إلى اقتصاد.

زر الذهاب إلى الأعلى