بعد الـVAR… من يراقب غرفة القرار العالمي؟

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر

نجح الأستاذ نجيب الكمالي في توظيف استعارة ذكية حين شبّه النظام الدولي بمباراة كرة قدم تفتقد إلى تقنية “VAR”، في إشارة إلى غياب آليات عادلة لمراجعة القرارات الدولية وتصحيح أخطائها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ماذا لو وُجدت هذه التقنية؟ ومن سيجلس داخل غرفة المراجعة؟ ومن سيراقب من يراقب؟

فالمشكلة الحقيقية في النظام الدولي ليست فقط غياب أدوات المراجعة، وإنما غياب المرجعية الأخلاقية التي تحكم تلك الأدوات. ففي عالم تتحكم فيه مصالح القوى الكبرى، قد تتحول أي آلية للمراجعة إلى أداة جديدة لإضفاء الشرعية على الظلم بدلاً من كشفه.

لقد أثبتت العقود الماضية أن المؤسسات الدولية لم تفشل لأنها تفتقر إلى اللوائح أو الإجراءات، بل لأنها تفتقر إلى الإرادة السياسية المستقلة. فكم من قرار أممي بقي حبراً على ورق؟ وكم من حقائق موثقة لم تغيّر شيئًا لأن ميزان القوة كان أقوى من ميزان العدالة؟

وهنا تكتسب الإشارة التي تناولها الأستاذ نجيب إلى البعد الأيديولوجي أهمية خاصة. فالسياسة لا تُصنع بالمصالح وحدها، بل كثيرًا ما تُصاغ داخل منظومات فكرية وعقائدية تعيد تفسير الواقع بما يخدم سردياتها الخاصة. لذلك فإن مراجعة القرار لا ينبغي أن تقتصر على نتائجه، بل يجب أن تمتد إلى الأفكار التي أنتجته.

وفي المقابل، فإن الدعوات إلى التعددية القطبية والحوار بين الحضارات، والتي تتبناها الصين في السنوات الأخيرة، تمثل محاولة لإعادة التوازن إلى النظام الدولي، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت المؤسسات العالمية أسيرة حق النقض والاصطفافات السياسية والمعايير المزدوجة.

إن القضية الفلسطينية تقدم المثال الأكثر وضوحًا على أزمة النظام الدولي. فالقوانين موجودة، والقرارات موجودة، والتقارير موجودة، لكن التنفيذ غائب، لأن المشكلة ليست في النصوص، بل في الجهة التي تمتلك سلطة تطبيقها أو تعطيلها.

لذلك فإن العالم لا يحتاج فقط إلى “VAR” سياسي، بل يحتاج قبل ذلك إلى حكم مستقل، وإلى قواعد واحدة تطبق على الجميع دون استثناء. فالعدالة لا تبدأ من مراجعة القرار، وإنما من المساواة بين جميع أطراف النزاع أمام القانون.

ربما يكون السؤال الذي طرحه الأستاذ نجيب هو بداية النقاش، لكن السؤال الذي يجب أن يشغل العالم اليوم هو: من يضمن أن غرفة المراجعة نفسها ليست جزءًا من الأزمة؟

فإذا بقيت غرفة القرار محتكرة من القوى ذاتها التي صنعت الاختلال، فلن يتغير شيء، وسيتحول “VAR” الدولي إلى مجرد شاشة تعرض الأخطاء… دون أن يملك أحد الشجاعة لتصحيحها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى