غياب “VAR” العالمي.. حين تتحكم النبوءات في مصير الشعوب

​اجنادين نيوز / ANN

​بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين “أصدقاء وحلفاء الصين

​في زمن تتسارع فيه الأزمات الدولية بوتيرة مذهلة، يبدو النظام العالمي الراهن وكأنه مباراة كروية مفتوحة بلا حكم، وبلا تقنية “VAR” التي تعيد النظر في القرارات الجوهرية المصيرية. فكما أحدثت تقنية “VAR” ثورة في كرة القدم لتعزيز الشفافية وتصحيح الأخطاء التحكيمية، يظل السؤال مشروعاً أمام واقع السياسة الدولية: لماذا تفتقر آليات الحوكمة العالمية إلى أدوات مراجعة مماثلة، تكشف التحيزات الخفية وتصحح مسار القرارات المؤثرة في حياة الملايين؟
​إن الأزمات المتشابكة التي يعاني منها العالم اليوم، بدءاً من تداعيات التغير المناخي وانعدام الأمن الغذائي، وصولاً إلى اشتعال النزاعات الجيوسياسية، لا تكشف فقط عن قصور هيكلي في أداء المؤسسات متعددة الأطراف التي ما زالت مرهونة بموازين القوة التقليدية، بل تؤكد الحاجة الملحة إلى قراءة مختلفة للمشهد الدولي. ومع أن صعود “الجنوب العالمي” وتكتلات مثل “بريكس” يبشر بانتقال تدريجي نحو نظام عالمي أكثر تعددية وتوازناً، تظل هذه القراءة السياسية ناقصة ما لم نُخضِع كواليس القرار في العواصم الكبرى لـ”تشريح أيديولوجي” يكشف المستور.
​وهنا، يأتي التداخل المثير بين السياسي والعقائدي ليقلب الطاولة على التحليلات البراغماتية الجامدة. ففي كتابها الصادم “يد الله”، تقوم الباحثة الأمريكية الراحلة غريس هالسل بتفكيك واحدة من أخطر الظواهر الخفية؛ ألا وهي هيمنة تيار “المسيحية الصهيونية” على مفاصل القرار في واشنطن. ووفقاً لهالسل، فإن الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل لا ينبع فقط من حسابات المصالح الباردة, بل يتغذى على رؤية لاهوتية تقرأ صراعات الشرق الأوسط باعتبارها محطةً حتمية لتحقيق نبوءات “معركة هرمجدون” ونهاية الزمان. في هذا السياق، يتحول صناع القرار إلى مجرد “منفذين” لسيناريو غيبي متخيل، وكأن التاريخ مجرد فيلم يعاد عرضه وفق حتمية دينية مغلقة.
​بطبيعة الحال، لا يمكن إنكار البعد الجيوسياسي التقليدي والمصالح الاستراتيجية التي تتحكم في تحركات الدول الكبرى، لكن الحقيقة الأعمق تكمن في ذلك المزيج العجيب بين الأيديولوجيا والاقتصاد والهوية، وهو المزيج الذي ينتج القرار الفعلي في لحظة الحسم. ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة إلى ما يمكن تسميته بـ”غرفة الفيديو العالمية”؛ ليس بوصفها مجرد أداة لموازنة المصالح، بل باعتبارها “مشرطاً جراحياً” دقيقاً، قادراً على تشريح السرديات العقائدية المغلقة التي تختطف العقل السياسي وتقوده نحو المتاهات.
​وفي المقابل، يظل النموذج الذي يدعو إلى التعددية القطبية والحوار بين الحضارات، ركيزة أساسية لتجاوز هذا المأزق. ففي عام 2023، أطلقت الصين “مبادرة الحضارة العالمية”، التي تدعو إلى احترام تنوع الحضارات، وتعزيز القيم المشتركة للإنسانية، وتشجيع التبادلات الدولية. وقد حظيت هذه المبادرة بتأييد واسع في المنطقة العربية، بل توجت بتوافق آراء في الأمم المتحدة اعتمد قراراً صينياً يجعل العاشر من يونيو “اليوم الدولي للحوار بين الحضارات”. هذا الطرح يقدم البديل العاقل لصراع “النبوءات”، مؤكداً أن مستقبل البشرية لا يمكن أن يُبنى على هزات نهاية الزمان، بل على جسور التعاون المفتوحة.
​وليس غريباً أن تمتد هذه الرؤية إلى الميدان العملي في أكثر البؤر سخونة. ففي يوليو 2024، استضافت بكين محادثات مصالحة جمعت ممثلين عن 14 فصيلاً فلسطينياً، بما فيها فتح وحماس، لتوقيع “إعلان بكين” الذي مثل خطوة عملية نحو الوحدة الوطنية. وتؤكد تقارير العام 2025 أن الصين واصلت التزامها بدفع جهود التهدئة في غزة، داعيةً إلى وقف إطلاق النار الشامل والالتزام بحل الدولتين، مع تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار لدعم الشعب الفلسطيني. هذا النهج القائم على الحوار والاحترام المتبادل وبناء التوافق، يقدم نموذجاً مغايراً للتدخلات التقليدية، ويعزز صورة الصين كوسيط محايد وموثوق في البحث عن سلام عادل ودائم.
​إن الأزمة التي يعاني منها عالم اليوم ليست أزمة أدوات تقنية أو إدارية فحسب، بل هي أزمة وعي وتأويل قبل أي شيء آخر. والتحدي الأكبر الذي يواجه مستقبل النظام الدولي يكمن في قدرته على بناء آليات مراجعة محايدة وشاملة، تتجاوز منطق الهيمنة والمحاور، وتتحرر من أسر النبوءات الصدامية التي تكرّس دوائر العنف.
​في النهاية، يظل السؤال الأهم ماثلاً بقوة على طاولة المجتمع الدولي: هل نملك الشجاعة الكافية لتركيب هذه “التقنية الأخلاقية والقانونية” التي تعيد قراءة الأخطاء التراكمية، أم أن المنظومة الحالية ستستمر في جمودها الأيديولوجي حتى تفرض عليها الكوارث الكبرى مراجعة حساباتها تحت وطأة الاضطرار؟

زر الذهاب إلى الأعلى