كيف تفاوض الصين المستقبل؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين
من السهل أن تتنبأ بالمطر عندما ترى الغيوم في السماء.
لكن العبقرية الحقيقية هي أن تبني السدود قبل أن تهطل الأمطار.
هذه هي المسافة التي تفصل بين إدارة الحاضر وصناعة المستقبل.
وعلى امتداد التاريخ، اعتادت الأمم أن تنشغل بحل أزماتها بعد وقوعها. فكل حرب كانت تفرض استراتيجية جديدة، وكل أزمة اقتصادية كانت تدفع إلى إصلاحات متأخرة، وكل تحول تكنولوجي كان يخلق سباقًا للحاق بمن سبق. وهكذا ظل كثير من الدول يعيش في حالة من رد الفعل، لا الفعل.
لكن القرن الحادي والعشرين يطرح معادلة مختلفة تمامًا.
لم يعد السؤال: من يملك القوة الأكبر؟
بل أصبح: من يمتلك القدرة على الاستعداد لعالم لم يولد بعد؟
هنا تحديدًا تبدو التجربة الصينية جديرة بالتأمل.
فالصين لا تتعامل مع المستقبل باعتباره محطة زمنية ستصل إليها تلقائيًا، بل باعتباره شريكًا في صناعة القرار. وكأنها تجلس معه كل يوم، تسأله سؤالًا بسيطًا:
كيف سيكون العالم بعد ثلاثين عامًا؟
ثم تبدأ بالإجابة… من خلال قرارات تُتخذ اليوم.
لهذا لا تبدو الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الرقمي، والجامعات، والبحث العلمي، مجرد مشاريع تنموية منفصلة، بل أجزاء من حوار طويل مع الزمن.
إنها ليست استثمارات في الحاضر، بل رهانات محسوبة على المستقبل.
وعبر التاريخ، كانت الدول تتنافس على الموانئ، والذهب، وحقول النفط، والممرات التجارية. أما اليوم، فإن المنافسة الحقيقية أصبحت على شيء آخر أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا.
إنها المنافسة على الزمن.
ليس الزمن الذي تقيسه الساعات، بل الزمن الذي يقاس بعدد السنوات التي تسبق بها أمة غيرها في الاستعداد لما هو قادم.
فقد تمتلك دولتان الموارد نفسها، ورأس المال نفسه، وحتى عدد السكان نفسه، لكن إحداهما تفكر في الانتخابات القادمة، بينما تفكر الأخرى في الجيل القادم.
وهنا يبدأ الفرق.
إن قوة أي مشروع وطني لا تكمن فقط في قدرته على حل مشكلات اليوم، بل في قدرته على اكتشاف أسئلة الغد قبل أن تتحول إلى أزمات.
ولهذا، فإن التجربة الصينية لا تستحق الدراسة بسبب حجم اقتصادها فقط، بل بسبب طبيعة الأسئلة التي تطرحها على نفسها.
ما الوظائف التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي؟
كيف ستتغير أنماط الطاقة؟
ما المهارات التي سيحتاجها الأطفال الذين يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة؟
كيف سيبدو الاقتصاد العالمي بعد عقود؟
هذه ليست أسئلة أكاديمية، بل أسئلة تحدد مكانة الدول في المستقبل.
ولعل الفارق الجوهري بين الأمم لا يكمن في عدد خبرائها، بل في نوعية الأسئلة التي تجرؤ على طرحها.
فالحضارات لا تتقدم لأنها تمتلك جميع الإجابات، بل لأنها تعرف أي الأسئلة تستحق أن تُطرح مبكرًا.
ومن هنا، فإن الدرس الأعمق في التجربة الصينية لا يتعلق بنسخ نموذجها، فلكل دولة ظروفها وتاريخها وأولوياتها، وإنما يتعلق بطريقة التفكير.
طريقة ترى أن التخطيط ليس وثيقة حكومية، بل ثقافة.
وأن الاستثمار ليس إنفاقًا ماليًا فقط، بل قرارًا أخلاقيًا تجاه الأجيال القادمة.
وأن المستقبل ليس غيبًا ننتظره، بل مسؤولية نصنعها.
في عالم تتغير فيه التكنولوجيا أسرع من الكتب المدرسية، وتتبدل فيه موازين الاقتصاد بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد أخطر ما يواجه الدول نقص الموارد، بل ضيق الأفق.
فالأمم لا تخسر المستقبل عندما تفتقر إلى الإمكانات، بل عندما تؤجل التفكير فيه.
وربما لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف أصبحت الصين واحدة من أكبر اقتصادات العالم؟
بل سؤال أكثر عمقًا:
كيف تحولت القدرة على التفكير بعيد المدى إلى ثقافة وطنية؟
فالإجابة عن هذا السؤال لا تهم الصين وحدها، بل تهم كل دولة تبحث عن مكان لها في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على التنبؤ.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تنتظر المستقبل، تصل إليه متأخرة.
أما الأمم التي تتحاور معه، وتستعد له، وتعيد تشكيل حاضرها على ضوء ما سيكون، فهي لا تكتفي بقراءة التاريخ…
بل تشارك في كتابته.
وربما لهذا، فإن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من التجربة الصينية ليس كيف نبني مدينة أسرع، أو مصنعًا أكبر، أو اقتصادًا أقوى.
بل كيف نمتلك الشجاعة لنطرح السؤال الصحيح قبل الجميع.
فالمستقبل، في نهاية المطاف، لا يكافئ من يترقبه.
إنه يكافئ من يبدأ العمل من أجله… قبل أن يراه.



