بين رغبة التهدئة ونذر التصعيد.. إلى أين تتجه المنطقة؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: نجيب الكمالي
في الشرق الأوسط، نادراً ما تسير الأحداث وفق مسارات مستقيمة أو حسابات متوقعة. ففي الوقت الذي تتزايد فيه التسريبات حول تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة، تواصل التطورات الميدانية إرسال رسائل مختلفة تؤكد أن الطريق نحو أي تسوية شاملة لا يزال مليئاً بالتعقيدات والتحديات.
المسودات المتداولة لما يُقال إنه اتفاق مرتقب تبدو واسعة النطاق؛ إذ تتناول ملفات شائكة تبدأ بوقف الأنشطة العسكرية، وتمر بتخفيف العقوبات الاقتصادية ومعالجة الملف النووي الإيراني، وصولاً إلى ضمان أمن الملاحة الدولية وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للاقتصاد الإقليمي. غير أن تجارب المنطقة أثبتت مراراً أن نجاح الاتفاقات لا يُقاس بما تتضمنه من بنود مكتوبة، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبارات الواقع وتعقيدات الجغرافيا السياسية.
التحدي لا يكمن فقط في قدرة واشنطن وطهران على بلوغ تفاهم مشترك، وإنما في مدى استعداد الأطراف الإقليمية للتكيف مع نتائج هذا التفاهم. فكل تسوية كبرى تعيد رسم موازين القوى، وكل تحول في تلك الموازين يثير مخاوف أطراف ترى في المتغيرات الجديدة تهديداً لمصالحها أو لتوازنات اعتادت عليها لعقود.
ومن هنا، فإن أي تصعيد مفاجئ في إحدى ساحات التوتر قد يتحول إلى اختبار حقيقي للمسار التفاوضي بأكمله. فالمنطقة اعتادت على مفارقة تتكرر باستمرار: كلما اقتربت الأطراف من طاولة الاتفاق، ارتفعت وتيرة الرسائل العسكرية، وكأن الميدان يسعى إلى تحسين شروط التفاوض في اللحظات الأخيرة قبل الوصول إلى التسوية.
ومع ذلك، تبدو حقيقة واحدة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ وهي أن استمرار الصراعات المفتوحة أصبح عبئاً ثقيلاً على الأمن والاستقرار وفرص التنمية. ولهذا فإن نجاح أي اتفاق مستقبلي لن يتوقف على حجم التنازلات المتبادلة أو عدد البنود الموقعة، بل على قدرة الأطراف على إدارة الخلافات ومنع عودتها إلى دائرة المواجهة.
بين رهانات الدبلوماسية واحتمالات التصعيد، تقف المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الجهود السياسية في تحويل التفاهمات إلى واقع مستدام يخفف منسوب التوتر ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً، وإما أن تستمر الحسابات الضيقة في فرض منطقها، لتعود المنطقة إلى دورة جديدة من الأزمات التي طال أمدها وأثقلت كلفة الجميع.




