الصين وبناء الزمن القادم … ماذا تعرف بكين عن المستقبل لا نعرفه نحن؟

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر – عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.

قبل مئة عام كانت الدول العظمى تتنافس على الفحم.

ثم تنافست على النفط.

ثم على الموانئ والممرات البحرية والأسواق.

أما اليوم، فيبدو أن المعركة الكبرى انتقلت إلى مكان آخر تماماً.

لم تعد المعركة على ما يخرج من باطن الأرض، بل على ما يخرج من عقول العلماء.

لم تعد على آبار النفط، بل على براءات الاختراع.

ولم تعد على امتلاك المصانع، بل على امتلاك المعرفة التي تصمم المصانع نفسها.

في هذا المشهد العالمي المتغير بسرعة مذهلة، تبرز الصين كأنها لا تعيش في الزمن نفسه الذي يعيش فيه الآخرون.

فبينما تنشغل دول كثيرة بإدارة أزمات الحاضر، تبدو بكين وكأنها تعمل وفق تقويم مختلف، تقويم يبدأ من عام 2040 وربما 2050.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: كيف تقدمت الصين؟

بل: ماذا تعرف الصين عن المستقبل لا نعرفه نحن؟

من مصنع العالم إلى مهندس المستقبل

لسنوات طويلة ارتبط اسم الصين بالمنتجات الرخيصة والعمالة الكثيفة والمصانع العملاقة.

وكان كثيرون ينظرون إليها باعتبارها ورشة إنتاج ضخمة للعالم.

لكن الصين التي كانت تصنع ألعاب الأطفال والأحذية والملابس، أصبحت اليوم تستثمر في التكنولوجيا التي ستعيد تعريف معنى العمل والصناعة والطاقة والاتصالات.

إنها لا تنتج منتجات المستقبل فقط، بل تحاول إنتاج المستقبل نفسه.

وهنا يكمن التحول الحقيقي.

عندما تصبح الأفكار أوامر إلكترونية

لنتوقف عند أحد أكثر المشاريع غرابة وإثارة في العالم اليوم: واجهات الدماغ والحاسوب.

قد يبدو الاسم معقداً، لكنه ببساطة محاولة لإنشاء طريق مباشر بين دماغ الإنسان والآلة.

تخيل أن مريضاً فقد القدرة على الحركة يستطيع تحريك كرسيه المتحرك بمجرد التفكير.

أو أن شخصاً فقد القدرة على الكلام يستطيع تحويل أفكاره إلى كلمات مكتوبة على شاشة أمامه.

هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي.

إنه مجال علمي تستثمر فيه الصين مليارات الدولارات لأنها تدرك أن المستقبل لن يكون فقط في تطوير الآلات، بل في تطوير العلاقة بين الإنسان والآلة.

السؤال الذي يطرحه العلماء اليوم لم يعد: كيف نجعل الآلة تفهم الإنسان؟

بل: كيف نجعل الإنسان والآلة يعملان كمنظومة واحدة؟

الوقود الذي قد يغير خريطة العالم

في القرن العشرين أعادت حقول النفط رسم الخريطة السياسية للعالم.

وفي القرن الحادي والعشرين قد يفعل الهيدروجين الأخضر شيئاً مشابهاً.

الهيدروجين الأخضر هو وقود يُنتج باستخدام الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح دون انبعاثات ملوثة.

وعندما يُستخدم لا ينتج دخاناً ولا غازات سامة، بل ينتج الماء فقط.

قد يبدو الأمر تفصيلاً تقنياً، لكنه في الحقيقة قد يكون أحد أكبر التحولات الاقتصادية في العصر الحديث.

فإذا نجحت هذه التكنولوجيا على نطاق واسع، فإن قيمة الدول قد لا تقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية، بل بما تملكه من معرفة وقدرة على إنتاج الطاقة النظيفة.

الروبوت القادم إلى مكان عملك

في الماضي كانت الروبوتات مجرد آلات تؤدي مهمة محددة.

أما اليوم فتعمل الصين على تطوير روبوتات بشرية قادرة على المشي والحمل والتفاعل والتعلم واتخاذ القرارات بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

قد يظن البعض أن الأمر ما زال بعيداً.

لكن الحقيقة أن كثيراً من المصانع الصينية بدأت بالفعل اختبار هذه الروبوتات في بيئات العمل الحقيقية.

وكما تحول الهاتف الذكي خلال سنوات قليلة من رفاهية إلى ضرورة، قد يتحول الروبوت الشخصي خلال العقود القادمة إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية.

السؤال لم يعد: هل سيأتي هذا اليوم؟

بل: متى سيأتي؟

الحاسوب الذي قد يغير قواعد اللعبة

هناك أيضاً الحوسبة الكمية، وهي تقنية ينظر إليها العلماء كما كان ينظر العالم إلى الطاقة النووية قبل عقود.

الحواسيب التقليدية التي نستخدمها اليوم قوية للغاية، لكن الحواسيب الكمية تعد بقفزة هائلة في القدرة على معالجة البيانات وحل المشكلات المعقدة.

من اكتشاف الأدوية الجديدة إلى التنبؤ بالكوارث الطبيعية وتصميم المواد المتقدمة، قد تفتح هذه التقنية أبواباً لم تكن متاحة من قبل.

لهذا تتعامل الدول الكبرى معها باعتبارها مسألة تتعلق بموازين القوة العالمية، لا بمجرد التطور العلمي.

عندما تتحول الخلايا إلى مصانع

ومن أكثر القطاعات إثارة للاهتمام ما يسمى بالتصنيع الحيوي.

في هذا المجال لا تعتمد الصناعة على الآلات فقط، بل على الكائنات الحية الدقيقة والخلايا لإنتاج الأدوية والوقود والمواد الصناعية.

بمعنى آخر، تتحول المختبرات إلى مصانع، وتتحول الخلايا إلى عمال إنتاج.

إنها ثورة صناعية جديدة لا تعتمد على الحديد والفولاذ بقدر ما تعتمد على علم الأحياء.

الإنترنت الذي لم يولد بعد

بينما لا يزال العالم يستكشف إمكانات شبكات الجيل الخامس، تعمل الصين على شبكات الجيل السادس.

هذه الشبكات ليست مجرد سرعة أعلى للهواتف.

إنها البنية التحتية لعالم كامل من السيارات ذاتية القيادة والمصانع الذكية والروبوتات والذكاء الاصطناعي والأجهزة المتصلة ببعضها البعض لحظة بلحظة.

إنها محاولة لبناء أعصاب الاقتصاد الرقمي القادم.

السر الذي لا يتحدث عنه كثيرون

لكن الخطأ الكبير هو النظر إلى هذه المشاريع كأنها ملفات منفصلة.

الصين لا ترى الروبوتات منفصلة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا ترى الذكاء الاصطناعي منفصلاً عن الحوسبة الكمية.

ولا ترى الطاقة النظيفة منفصلة عن الصناعة.

إنها تبني منظومة متكاملة للمستقبل.

ولهذا فإن ما نشهده ليس سباقاً تكنولوجياً عادياً.

بل مشروعاً حضارياً كاملاً.

من اقتصاد المادة إلى اقتصاد المعرفة

في الماضي كانت الثروة تُستخرج من المناجم والحقول.

أما اليوم فأصبحت تُستخرج من المختبرات ومراكز الأبحاث والجامعات.

النفط كان وقود الثورة الصناعية.

أما المعرفة فهي وقود الثورة القادمة.

ولهذا لا تسعى الصين فقط إلى جمع الأموال.

إنها تسعى إلى جمع المعرفة التي ستصنع أموال الغد.

وهنا تحديداً يكمن جوهر التحول الصيني.

السؤال الذي يجب أن يشغلنا عربياً

القضية ليست ما إذا كانت الصين ستتفوق على الولايات المتحدة أو ستشاركها قيادة العالم.

القضية الأهم هي ما الذي نتعلمه نحن من هذه التجربة؟

لماذا أصبح المستقبل جزءاً من الاستراتيجية الوطنية الصينية، بينما ما زال في كثير من بلداننا مجرد موضوع للنقاش؟

لماذا نستثمر في إدارة الأزمات أكثر مما نستثمر في صناعة الفرص؟

ولماذا نستهلك التكنولوجيا أكثر مما نشارك في إنتاجها؟

نقول :

قبل ثلاثين عاماً كان العالم يذهب إلى الصين بحثاً عن اليد العاملة الرخيصة.

واليوم يذهب إليها بحثاً عن التكنولوجيا.

وغداً ربما يذهب إليها ليعرف كيف يبدو المستقبل.

فالصين لا تحاول أن تكون أكبر مصنع في العالم فحسب.

إنها تحاول أن تصبح المختبر الذي تُصنع فيه العقود القادمة.

والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل عربي على نفسه ليس: كيف وصلت الصين إلى هنا؟

بل: أين سنكون نحن عندما يصل العالم إلى هناك؟

م. غسان جابر – فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى