الصين تحرس عقولها… ونحن نودّعها في المطارات

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: المهندس غسان جابر – عضو الاتحاد الدولي للصحفيين والأعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.

هناك لحظة فارقة في تاريخ الأمم لا تُعلن في المؤتمرات، ولا تُكتب في البيانات الرسمية، بل تمرّ بهدوء… ثم تكتشف لاحقاً أنك أصبحت خارج اللعبة.

هذه اللحظة اسمها: تحوّل العقل إلى ثروة استراتيجية محمية.

في الصين اليوم، لا يُنظر إلى مهندس الذكاء الاصطناعي كموظف تقني، بل كـ”أصل وطني حساس”. بعض العاملين في هذا القطاع لا يستطيعون مغادرة البلاد إلا بموافقة رسمية. ليس لأنهم ارتكبوا خطأ، بل لأنهم ببساطة يعرفون أكثر مما ينبغي أن يغادر.

قد يبدو الأمر غريباً، لكن الحقيقة أن العالم لم يعد مفتوحاً كما نحب أن نعتقد. هناك عقول تُستقطب، وعقول تُمنع من المغادرة، وعقول تُشترى، وعقول تُحتجز داخل حدودها لأن قيمتها أصبحت تفوق قيمة الحدود نفسها.

في الجانب الآخر من العالم، الولايات المتحدة والصين تخوضان حرباً صامتة لا تُطلق فيها رصاصة واحدة، لكنها أكثر شراسة من أي حرب تقليدية: حرب العقول والرقائق والخوارزميات.

واشنطن تستقطب العلماء بالمليارات، وبكين تحاول منع تسربهم، وبينهما يُعاد تشكيل شكل القوة في القرن الحادي والعشرين.

لكن وسط هذا الصراع العملاق، هناك سؤال لا يُطرح بما يكفي:

أين يقف العالم العربي من كل هذا؟

الصين تحصي علماءها.
تحدد من هو الاستراتيجي، ومن هو القابل للحماية، ومن هو الذي يجب أن يبقى داخل المنظومة الوطنية.

الولايات المتحدة تستقطب العقول من كل العالم، وتحول الجامعات ومراكز الأبحاث إلى مصانع قوة ناعمة.

أما نحن، فغالباً لا نعرف حتى العدد الحقيقي لعلمائنا في الذكاء الاصطناعي، ولا أين يعملون، ولا كيف يمكن الاستفادة منهم، إلا عندما يظهر أحدهم في شركة عالمية أو مختبر دولي فنكتشفه متأخراً ونحتفي به كـ”فخر عربي في الخارج”.

المعادلة هنا ليست عاطفية، بل قاسية:

هناك دول تعتبر العقول جزءاً من الأمن القومي.

ودول تعتبرها قصة نجاح فردية.

الفارق بين النموذجين هو الفارق بين من يبني المستقبل ومن يستهلكه.

في الصين، رغم كل الجدل حول القيود، هناك إدراك واضح أن من يملك المعرفة يجب أن يديرها ضمن مشروع الدولة.

في العالم العربي، لا يزال الذكاء الاصطناعي يُعامل في كثير من الحالات كمجال أكاديمي أو ترفي تقني، وليس كقطاع سيادي يعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والقوة.

نحن لا نفتقر إلى العقول.

نحن نفتقر إلى تحويل العقول إلى نظام.

آلاف المهندسين العرب يعملون اليوم في كبرى شركات التكنولوجيا: في وادي السيليكون، في أوروبا، في مراكز أبحاث الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

لكن السؤال الصادم ليس أين هم… بل:

لماذا احتاجوا إلى الرحيل أصلاً؟

الصدمة الحقيقية ليست في هجرة العقول، بل في تطبيع هذه الهجرة.

لقد اعتدنا أن نرى أفضل طلابنا يغادرون، وأفضل باحثينا يستقرون في الخارج، وأفضل مطورينا يُبنون أنظمة لا تخدم أوطانهم مباشرة، ثم نكتفي بالتصفيق لهم من بعيد.

في الوقت الذي تُغلق فيه دول أبوابها على عقولها، نحن نفتح الأبواب ونغلق بعدها ملف السؤال.

العالم اليوم لا يُدار بالموارد التقليدية فقط.

النفط ما زال مهماً، لكن الخوارزمية أصبحت أسرع منه في إعادة تشكيل القوة.

الغاز مهم، لكن مراكز البيانات أهم.

الحدود الجغرافية لا تزال موجودة، لكن الحدود الحقيقية اليوم هي حدود المعرفة.

وهنا يظهر الفارق المؤلم:

الصين تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كجزء من سيادتها.

نحن ما زلنا نتعامل معه كمجال تدريب أو فرصة عمل فردية في الخارج.

المشكلة ليست في نقص الإمكانيات فقط، بل في غياب السؤال الجوهري:

ما هو موقع العقل العربي في مشروع الدولة العربية؟

إذا لم يُطرح هذا السؤال بوضوح، فسنظل نعيش مفارقة غريبة:
نستهلك التكنولوجيا التي يصنعها غيرنا،
ونحتفي بالمبدعين الذين لم نصنع لهم بيئة للبقاء،
ثم نتساءل: لماذا نحن متأخرون؟

في النهاية، القضية ليست الصين، ولا أمريكا.

القضية هي: من يملك القدرة على الاحتفاظ بعقوله… ومن اعتاد على خسارتها.

وفي هذا القرن، لا يوجد ما هو أكثر خطورة من دولة تتقن تصدير العقول أكثر مما تتقن الاحتفاظ بها.

م. غسان جابر – فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى