الانعطاف العالمي نحو نظام دولي متعدد الأقطاب مدعاة لرؤية عربية مشتركة للتكيف ورعاية المصالح في العصر الجديد

أجنادين نيوز / ANN
د. الضو خضر أحمد عبد الله
باحث في الشؤون الإستراتيجية و الدولية عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

أفرزت التباينات والتقاطعات في الفضاء الاستراتيجي العالمي في العقود الأخيرة اضطرابات دولية واسعة أطبقت على تطلعات الدول وأحلام والشعوب بشكل حاد لم يسبق له مثيل، فانفجرت على إثر ذلك الكثير من التوترات والحروب الاقتصادية والتكنولوجية، مع تجاوزات أمنية عالمية خطيرة، تمظهرت على الساحة الاستراتيجية العالمية في خاتمة أمرها على شكل استجابات متنوعة كانت في مجملها خصماً على نظام الأحادية القطبية المتآكل.
ولأن الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري لنظام الأحادية القطبية حافل بالتجاوزات والخطوب وانتهاك السيادة وشن الحروب ظل الرفض العالمي لها في تنامي، فتداعت على إثر ذلك الثقة في رؤيتها الاستراتيجية لقيادة العالم، واهتزت شراكاتها وتحالفاتها الإقليمية والدولية إلى الحد الذي أضر بشكل غير معهود بتحالفها الأقوى والأوسع (حلف شمال الأطلسي) الذي يشهد في وقته الراهن حالة من التباين والتململ الاستراتيجي المتزايد.
بدأ العالم يتشكك بسبب نظام الأحادية القطبية في الإرادة الدولية لرعاية العهود الدولية وإنفاذ القانون الدولي، وفعالية آلياته ومنابره المعاصرة، وجدواها بالنسبة للعدالة وتعزيز السلم والأمن الدوليين، فقد أدت افرازات نظام الأحادية القطبية إلى تراجع الدفاع عن السلام العالمي كقيمة، ورفضه جملةً وتفصيلاً ما دامت طبيعته على النحو الذي تؤسس له الولايات المتحدة، وقد أدى ذلك التشكك وتلك الردة عن المبادئ إلى تصاعد التوترات، وتفاقم الانقسامات حول العالم، إلى الحد الذي لم تستطع فيه آليات العمل الدبلوماسي التقليدي احتواء أي نوع من أنواع النزاعات المنتشرة حول العالم أو إحداث أي اختراقات لتعقيداتها ومغذياتها.
عربياً وخلال رحلة بحثها عن مصالحها وسط الزحام الاستراتيجي الدولي وتقاطعاته تبنت الولايات المتحدة عبر أحاديتها القطبية سياسات ممعنة في الأنانية والذاتية تجاه العالم العربي انحصرت مساراتها في السعي للسيطرة على المنطقة بغرض تأمين حاجتها من إمدادات الطاقة، وحماية أمن إسرائيل، وتغيير الأنظمة المناوئة لها عبر التدخل العسكري المباشر، بالإضافة إلى سعيها الدؤوب لنشر الديمقراطية الغربية عبر آليات غير ديمقراطية، وقد تطور الأمر إلى درجة استخدامها القوة الصلبة لتطويق واحتواء القوى الإقليمية الناهضة والمناهضة في المنطقة ( العراق في 2003 & إيران في 2026)
وبسبب المظالم التي خلفها نظام الأحادية القطبية وآثارها المتعاظمة ازداد التطلع الدولي لعالم حر لا تقيده الوصايا، ولا يخضع لرغبات الأقوياء والأثرياء، فبدأت بعض الدول والشعوب التواقة للتحرر والانعتاق في التشكل والاصطفاف والتمحور عبر مختلف الكتل السياسية والإقتصادية الإقليمية والدولية حول العالم لرفض فوضى التجاوزات، والخروقات، وضعف الالتزام بالمواثيق والمعاهدات، والتراجع في الإلتزام بالقانون الدولي وقواعده، وهي الحالة التي شكلت على نحوٍ واسع روح الاصطفاف ضد نظام القطبية الأحادية غير العادل.
بدأ الانعطاف العالمي نحو عالم متعدد الأقطاب برفض الدول ذات الحضارات العريقة (ولا سيما الشرقية منها) لسياسات التبعية والتقزيم والاستلاب التي لوثت فضاءات التعاون الدولي المعاصر ، فتنادت على إثر ذلك دول وحضارات وتكتلات معبأةً من إرادتها السياسية، ومجمعةً لطاقاتها الاقتصادية، وحاشدةً لقدراتها التكنولوجية لأجل الحد من هيمنة وتنمر نظام الأحادية القطبية المتجبر، فطفقت تجاهر على المنابر الدبلوماسية برفضها الخضوع لإمبرياليتها (غير التقليدية) التي تسعى لمحو مظاهر السيادة لدى الدول، وتشويه مضامينها المتعارف دولياً منذ أمدٍ بعيد.
يحفز الانعطاف العالمي نحو نظام عالمي بديل (متعدد الأقطاب) الافتتان العالمي بنجاحات مسيرة الصين السلمية وصعودها على سلم التوازن الدولي، وتمظهراتها، وحيويتها، ونشاطها داخل الأطر الإقليمية والدولية الراغبة في صناعة التوازن الدولي المتصالح، فالصين قوى سلمية عالمية فرضت نفسها بقوة على المسرح الاستراتيجي الدولي وتحظى في محيطها العالمي بحضور وقبول متزايد على كافة الأطر السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مما يؤهلها للعب أدوار حاسمة وفاعلة على مسرح التوازن الدولي المعاصر بكفاءة واقتدار.
إن صعود أقطاب دولية بديلة ونجاحها في تحقيق التوازن الاستراتيجي الدولي المرغوب من شأنه أن يمنح دول العالم على نحوٍ متساوٍ المستوى المطلوب من الحرية الاستراتيجية، ويوسع من فرصها في تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والأمنية، ويسهم بشكل فعال في احترام القيم الدولية المتوافق عليها، لذا ليس بمستغرب أن تحث دول عديدة حول العالم خطاها العملية، وتزيد من وثباتها الاستراتيجية لتصنع مستقبلها على ضوء التشكل القطبي الدولي المتنامي، وهو توجه لن تستطيع أي من دول العالم العيش بعيداً عن سياقاته الزمنية وتشكلاته الاستراتيجية المتتالية.
واستناداً على التماثل الاستراتيجي بين الدول النامية حول العالم، وإيمانا بالسياقات الظرفية المبررة لنشوء عالم متعدد الأقطاب، وتماهياً مع الجهود الدولية المؤسسة منها والداعمة لصعود أقطاب دولية بديلة لا بد من تشكيل وعي عربي جمعي بواقع التحولات في مراكز القوى الدولية، والقناعة بواقعية مساراتها وانعطافاتها العالمية الحالية، والقراءة الإيجابية السليمة للصعود السلمي للصين كقوة دولية وازنة تنامى دورها على الصعيد العالمي بشكل متواتر ولافت، وتحظى في لحظتها التاريخية الماثلة بثقة استراتيجية متزايدة ويعتمد عليها في تعزيز السلم والأمن الدوليين في العصر الجديد.
ولأن شمس الأحادية القطبية قد أذنت بالغياب عن المسرح العالمي ينبغي على الدول العربية التقارب والتواصل عبر الجامعة العربية للتعجيل بتشكيل رؤية عربية للتكيف، والإسهام، ورعاية المصالح في ظل الواقع الدولي المتشكل، على أن تتنزل تلك الرؤية على جميع الدول، ولا ينبغي الانقسام حولها، أو التنازع حول مبرراتها، أو آليات تطبيقها، فهي خيار لا بديل له اقتضته التطورات والتحولات المعاصرة على الساحة الدولية، ومن الرشد الاستراتيجي رعاية مستقبل ومصير الأمة العربية بالبعد عن التشبث بماضي العلاقات المتقادم، والتواؤم مع المسار الاستراتيجي العالمي المتجدد والمتعاظم.

زر الذهاب إلى الأعلى