الانقسام لم يعد أزمة… بل مشروعاً لإعادة تشكيل فلسطين

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر
منذ عام 2007 والفلسطينيون يتحدثون عن الانقسام باعتباره أزمة سياسية طارئة ستنتهي عاجلاً أم آجلاً عبر حوار أو اتفاق أو مصالحة وطنية. لكن بعد ما يقارب عقدين من الزمن، أصبح من الضروري طرح سؤال مختلف وأكثر جرأة:
هل ما زلنا أمام أزمة انقسام؟
أم أننا أصبحنا أمام مشروع متكامل لإعادة تشكيل فلسطين سياسياً وجغرافياً واقتصادياً؟
الحقيقة المؤلمة أن ما يجري اليوم يتجاوز بكثير حدود الخلاف الفلسطيني الداخلي. فالانقسام لم يعد مجرد نتيجة للأزمة، بل تحول تدريجياً إلى بيئة مثالية لإنتاج واقع فلسطيني جديد، واقع يقوم على وجود مسارين منفصلين، وجغرافيتين منفصلتين، واقتصادين منفصلين، وربما مستقبلاً هويتين سياسيتين منفصلتين.
هذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن يثير قلق كل فلسطيني.
في غزة، تتشكل ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية واقتصادية جديدة تحت عناوين متعددة، بينما تتعرض الضفة الغربية لعملية ضم زاحف وتفكيك جغرافي متواصل عبر الاستيطان وشبكات الطرق والحواجز ومصادرة الأراضي.
للوهلة الأولى قد تبدو هذه مسارات مختلفة، لكنها في الحقيقة تصب في هدف واحد: منع قيام دولة فلسطينية متصلة وقادرة على الحياة.
لقد نجحت إسرائيل خلال السنوات الماضية في نقل مركز الصراع من قضية الاحتلال وإنهائه إلى قضية إدارة السكان الفلسطينيين والتحكم بهم. وبدلاً من أن يكون السؤال الدولي: كيف تقوم الدولة الفلسطينية؟ أصبح السؤال: كيف تُدار غزة؟ وكيف يُضبط الوضع في الضفة الغربية؟ وكيف يتم منع الانهيار الإنساني؟
وهكذا تحولت القضية الفلسطينية تدريجياً من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني وإنساني وإداري.
وهنا تكمن المأساة السياسية الكبرى.
فالشعوب لا تخسر قضاياها فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل عندما يُعاد تعريف قضيتها بطريقة مختلفة عن جوهرها الأصلي.
الأخطر من ذلك أن العالم بدأ يتكيف مع الانقسام الفلسطيني بوصفه واقعاً دائماً، لا أزمة مؤقتة.
فخلال السنوات الماضية، كان الفلسطينيون يتحدثون عن إنهاء الانقسام، بينما كانت القوى الإقليمية والدولية تبني سياساتها على فرضية معاكسة تماماً: أن الانقسام باقٍ، وأن المستقبل يجب أن يُبنى على أساس وجوده لا على أساس إنهائه.
وهنا يجب أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة حكومة أو سلطة أو انتخابات فقط.
إنها أزمة مشروع وطني.
لقد امتلك الفلسطينيون لعقود طويلة مشروعاً وطنياً واضح المعالم: التحرر، والاستقلال، وإقامة الدولة.
أما اليوم فإن السؤال الذي يواجه الفلسطينيين ليس فقط كيف نحرر الأرض، بل كيف نحافظ على فكرة الدولة نفسها من التآكل؟
فالدول لا تسقط فقط عندما تُحتل أراضيها، بل عندما تتفكك عناصرها الأساسية: الجغرافيا، والاقتصاد، والمؤسسات، والرؤية المشتركة.
وإذا استمر المسار الحالي حتى عام 2030، فإننا قد نجد أنفسنا أمام واقع جديد بالكامل:
قطاع غزة يُدار وفق ترتيبات سياسية واقتصادية خاصة به.
الضفة الغربية تتحول إلى تجمعات سكانية معزولة تفصل بينها المستوطنات والطرق الالتفافية.
القدس تُستبعد عملياً من أي معادلة سياسية مستقبلية.
أما القضية الفلسطينية فتتحول تدريجياً من قضية شعب يسعى إلى إقامة دولته إلى قضية سكان يبحثون عن تحسين شروط حياتهم تحت الأمر الواقع.
وهنا يكمن الخطر الأكبر.
ليس ضياع الأرض فقط.
بل ضياع الفكرة.
فالدول تبدأ كفكرة قبل أن تصبح حدوداً ومؤسسات.
وإذا ضاعت الفكرة، يصبح استعادتها أصعب من استعادة الأرض نفسها.
لهذا السبب فإن الرد الفلسطيني المطلوب لا يمكن أن يقتصر على بيانات الإدانة أو جولات الحوار التقليدية.
نحن بحاجة إلى إعادة تأسيس المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة تتناسب مع طبيعة التحديات الراهنة.
أول هذه الأسس هو إعادة بناء الوحدة الوطنية باعتبارها ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً.
وثانيها إعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس المشاركة والكفاءة والتمثيل الحقيقي.
أما الركيزة الثالثة، وهي الأكثر إلحاحاً، فتتمثل في بناء مشروع للسيادة الاقتصادية الفلسطينية.
لقد أثبتت التجارب أن الاقتصاد ليس مجرد ملف خدمي، بل هو أحد أهم أدوات الصمود الوطني.
فلا يمكن الحديث عن قرار سياسي مستقل في ظل تبعية اقتصادية كاملة.
ولا يمكن الحديث عن وحدة وطنية مستدامة في ظل مصالح اقتصادية متناقضة ومفككة.
لهذا فإن فلسطين تحتاج اليوم إلى اقتصاد إنتاج لا اقتصاد استهلاك، وإلى استثمار لا انتظار للمساعدات، وإلى دعم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، وإلى صناديق سيادية وطنية تستقطب رؤوس الأموال الفلسطينية في الوطن والشتات.
كما تحتاج إلى ربط غزة والضفة والقدس والشتات ضمن شبكة مصالح اقتصادية تجعل الوحدة الوطنية مصلحة يومية ملموسة، لا مجرد شعار سياسي يرفع في المناسبات.
فالاقتصاد القوي لا يحرر الأرض وحده، لكنه يمنع انهيار المجتمع، ويمنح السياسة القدرة على الصمود، ويوفر أدوات المقاومة والبقاء.
أما الركيزة الرابعة فهي الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
لقد أمضى الفلسطينيون سنوات طويلة يلاحقون الأزمات المتتالية، بينما تحتاج المرحلة المقبلة إلى عقلية مختلفة تماماً؛ عقلية التخطيط الاستراتيجي لعشرين وثلاثين عاماً قادمة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس ماذا سنفعل غداً؟
بل: كيف نريد أن تبدو فلسطين عام 2040؟
عندما تمتلك الشعوب رؤية واضحة للمستقبل تصبح الأزمات محطات على الطريق، لا نهاية الطريق.
أما عندما تفقد رؤيتها، فإنها تتحول إلى أسيرة للحظة الراهنة مهما كانت تضحياتها كبيرة.
إن المعركة الحقيقية التي تواجه الفلسطينيين اليوم ليست فقط معركة على الأرض، بل معركة على المعنى.
معركة بين مشروع يسعى إلى تحويل الفلسطينيين إلى تجمعات سكانية منفصلة تُدار كل منها على حدة، ومشروع وطني يؤمن بأن فلسطين شعب واحد وقضية واحدة ومستقبل واحد.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين ليس إنهاء الانقسام فقط.
بل منع تحوله إلى نظام سياسي دائم.
فإذا كان الاحتلال يعمل على إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، فإن مسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني قبل أن تصبح الوقائع المفروضة حقائق نهائية يصعب تغييرها.
وما زال الوقت متاحاً.
لكن الوقت، هذه المرة، ليس في صالحنا.
م. غسان جابر – قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.


