اختطاف المصطلح وصناعة الوهم

أجنادين نيوز / ANN
المفكر التنويري فرقد الأغا
إن جوهر النهضة الحضارية يبدأ بتحرير مفهوم العلم من هيمنة الموروث المغلق، كون أن نقل مصطلح العالِم من فضائه الطبيعي القائم على البحث الحر والاكتشاف إلى دائرة اليقينيات الدينية الثابتة يمثل خطأً إبستمولوجياً عميقاً، فهذا الخلط لا يقتصر على تشويه الوعي الجمعي، بل يمنح أدوات التجهيل والخرافة شرعية معرفية تُقصي العقل النقدي وتُسهم في تكريس الانحدار الحضاري، ولهذا يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لمفهوم العلم بوصفه حركة دائمة من التساؤل والاكتشاف والتحرر الإنساني.
وعند دراسة الواقع الحضاري لأي مجتمع ينبغي منذ البداية فحص بُنيته الفكرية العميقة لا سيما المفاهيم والمصطلحات التي تصوغ وعيه الجمعي وتوجه سلوكه العام، كلمة العالِم في أصلها اللغوي مشتقة من العلم، والعلم في جوهره هو إدراك الحقيقة بالدليل والبرهان، ومن حيث الدلالة يشمل هذا المفهوم كل من ينتج معرفة قائمة على الملاحظة والتجربة والتحليل المنهجي كعلماء الطب والفيزياء والفلك والاجتماع والفلسفة، لأنهم ينطلقون من أسئلة مفتوحة ويسعون إلى اكتشاف المجهول بعيداً عن الإجابات الجاهزة والقوالب المسبقة.
وفي مقابل هذه الحركية المعرفية الحرة يظهر اضطراب الوعي الجمعي حين تُختزل المعرفة الإنسانية داخل أطر أيديولوجية مغلقة تعيد إنتاج اليقينيات بدلاً من مساءلتها، وتحول المفاهيم من أدوات للاكتشاف والتحرر إلى أدوات للحراسة الفكرية والتعبئة، وبسبب ذلك تتحول أزمة المصطلح إلى أزمة حضارية، لأن المجتمع الذي يعجز عن التمييز بين المعرفة المفتوحة والعقائد المغلقة يفقد تدريجياً قدرته على إنتاج الوعي النقدي والعلمي وصناعة التقدم الحضاري، ويتحول إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج الجمود والخرافة ووعي القطيع.
لذا نرى إن إطلاق وصف العالِم على رجل الدين في التداول العرفي المعاصر يُعد إزاحة دلالية غير دقيقة من الناحية المعرفية، لأنه يخلط بين مجالين مختلفين جذرياً في المنهج والغاية، إذ أن رجل الدين يؤدي وظيفة تقوم على شرح منظومة من النصوص واليقينيات الثابتة وحراستها ولا يتحرك ضمن مشروع بحثي يهدف إلى إنتاج معرفة جديدة عبر رصد الواقع وتحليل متغيراته، لذلك إن التوصيف الأدق له هو الفقيه أو الباحث في الإلهيات أو رجل الدين لأن أدواته ومنطلقاته تختلف جذرياً عن أدوات العلوم التجريبية والعقلية الحديثة.
ويتجلى الفرق الجوهري بين العلم والخطاب الديني في طبيعة المسار المعرفي نفسه، بيد أن العلماء والفلاسفة ينطلقون من الشك المنهجي أو من الاعتراف بحدود المعرفة، لذلك تبقى أبواب التفكير مفتوحة أمام المراجعة والنقد وتكتسب النظريات العلمية قيمتها من قابليتها للتطوير والتجاوز لا من ثباتها، كون العلوم لا تتوقف عند كتاب أو تصور نهائي، وتاريخ المعرفة الإنسانية مليء بالشواهد، ومنها انتقال العلم من تفسير إسحاق نيوتن للجاذبية إلى رؤية ألبرت أينشتاين الأوسع، فالعلم لا ينمو بالتقديس وإنما بالنقد وإعادة البناء، والحقيقة فيه ليست قالباً مغلقاً بل أفقاً متجدداً يتوسع مع تطور الوعي الإنساني.
بينما الخطاب الديني التقليدي فينطلق من مسلمات جاهزة ويقين مغلق لا يُسمح بتجاوزه، مما يجعل حركته الفكرية تدور داخل حدود مرسومة سلفاً وتتحول وظيفته من البحث عن الحقيقة إلى حراسة الموروث والدفاع عنه.
ولا تكمن المشكلة في وجود النص الديني بحد ذاته، بل في التعامل معه بوصفه حقيقة نهائية مكتملة لا تقبل النقاش أو المراجعة، فالعقل الذي يبدأ من نتائج جاهزة يضع لنفسه سقفاً ثابتاً يمنع أي تطور حقيقي، بينما يقوم التقدم المعرفي على الجرأة في مراجعة المسلمات وإعادة بناء الرؤية باستمرار، أما البقاء داخل الإطار المغلق فلا ينتج سوى إعادة تدوير الأفكار نفسها وإدامة الجمود العقلي تحت غطاء القداسة.
ويمتد هذا الانغلاق حتى إلى استخدام الأدوات العقلية ذاتها، فرجل الدين قد يدرس المنطق أو الفلسفة لكنه غالباً ما يوظفها للدفاع عن منظومته المسبقة وتثبيت يقينياته، لا للأنطلاق نحو إعادة صياغة مفاهيم الكون أو اكتشاف آفاق معرفية جديدة، وحتى ما يسمى اجتهاداً يبقى في الغالب محصوراً في تفسير النصوص وتأويلها ضمن الإطار العقائدي المحدد سلفاً، لا في إنتاج معرفة جديدة بالمعنى العلمي، لأن اليقين المغلق لا يسمح للعقل بتجاوز حدوده المرسومة.
أما اعتبار انصراف الذهن في المجتمعات الشرقية إلى رجال الدين عند سماع كلمة علماء نوعاً من التفوق الحضاري أو دليلاً على احترام المعرفة الروحية، فهو تصور واهم وتقزيم لمفردة العالم وهي بحاجة إلى مراجعة نقدية جذرية، كون هذا الانصراف التلقائي يكشف عن خلل عميق في الوعي المعرفي العام وأختزال العلم في الفقه الديني يعكس تراكمات تاريخية كرست النقل والطاعة على حساب العقل النقدي، حتى أصبح الوعي الجمعي أكثر ميلاً إلى تقديس الحفظ والتلقين من تقدير الاكتشاف والتحليل.
وعندما يغيب التمييز بين من يكتشف قوانين الطبيعة ويحرر الإنسان من الجهل والمرض، وبين من يقتصر دوره على الوعظ والمحافظة على الموروث يقع المجتمع في فخ الجمود العقلي، وبمثل هذا المناخ تُمنح التأويلات البشرية المحدودة قداسة غير مستحقة، بينما يُقصى العقل العلمي عن موقعه القيادي، فينشأ مجتمع تابع عاجز عن صياغة مستقبله أو إنتاج نهضته وتتحول الخرافة إلى جزء من البنية الثقافية المحصنة ضد النقد، علماً أن الحضارات الحية لا تنهض عبر خلط المناهج المتناقضة تحت عنوان واحد، بل عبر وضع كل مجال معرفي في مكانه الصحيح، من خلال منح العقل العلمي والنقدي حرية القيادة في ميادين البحث والاكتشاف، مع إبقاء الخطاب الديني ضمن إطاره الروحي والوعظي دون احتكار مصطلح العلم أو الهيمنة عليه.
إن التلاعب بالمصطلحات يقود إلى مفارقة لغوية ومعرفية خطيرة؛ فإذا كان العالم هو من يكشف سنن الكون ويطور وعي الإنسان يُصبح منح هذا اللقب لمن يعيد إنتاج الخرافة ويغذي وعي القطيع بالخوف والتبعية يمثل خطيئة معرفية تمنح التجهيل قداسة العلم.
يكمن الفارق الحقيقي كما أشرنا سلفاً بين عقلٍ وظيفته مساءلة الواقع باستمرار وعقلٍ وظيفته حماية الماضي وإعادة إنتاجه. العقل الذي يُستخدم لتبرير نتائج جاهزة يتحول إلى أداة دفاع، بينما يقوم التفكير العلمي والفلسفي على إبقاء النتائج مفتوحة أمام التعديل والتطوير.
لهذا إن المجتمعات التي تتبنى العقلانية والتكامل المعرفي تنصرف فيها كلمة العلماء تلقائياً إلى مبتكري التكنولوجيا وعلماء الفيزياء وأطباء الأوبئة وفلاسفة التنوير، لأنهم يقودون حركة الاكتشاف الإنساني، أما حين يصبح الغارق في الميثولوجيا والانقسامات المذهبية هو المرجعية العليا، بينما يُهمّش العقل العلمي وتُحارب روح التساؤل فذلك دليل على اختلال حضاري عميق.
وفي هذه البيئة يتحول الشك المنهجي إلى تهمة، والتساؤل الفلسفي إلى هرطقة ويغدو المجتمع كياناً استهلاكياً يكرر ما يُلقن له دون نقد أو اختبار، فتُعاد صناعة الإنسان بوصفه تابعاً لا فاعلاً ومستهلكاً للمعنى لا منتجاً له، حيث أن النهضة الحقيقية تبدأ عندما يستعيد العلم معناه الأصيل بوصفه بحثاً دائماً وحرية مفتوحة لا تعترف إلا بسلطة الحقيقة والبرهان، وإن إنقاذ الوعي الجمعي من هذا التيه الحضاري يقتضي فك الارتهان للموروث الجامد والتمرد على الأصنام الذهنية التي عطلت روح الاكتشاف وحولت المعرفة إلى تلقين، وهذا ما أكده التاريخ من أن التقدم لا يتحقق بتكرار الماضي، إنما بنقد الحاضر وتحرير العقل لكي يستعيد مفهوم العلم معناه الإنساني المتجدد وينتقل الإنسان من التبعية والانغلاق إلى فضاء الحرية والاكتشاف.



