الْحُكْمُ فِي فِكْرِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِتَحْقِيقِ الْعَدْلِ

أجنادين نيوز / ANN

بِقَلَمِ الْكَاتِبِ الْعِرَاقِيِّ:
حكيم زغير الساعدي

مُقَدِّمَةُ الْعَهْدِ وَالتَّهْيِئَةُ الْإِدَارِيَّةُ
“هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الاْشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا.”

يستهلُّ الإمام (عليه السلام) عهده بإعلان العبودية لله أولاً، ثم ذكر صفته الرسمية “أمير المؤمنين” قبل التوجه بالأمر لمالك الأشتر. وهذا أسلوبٌ إداري فريد؛ فبينما يمثل التدرج الوظيفي من الأعلى إلى الأدنى، إلا أن الإمام قَيَّد هذا العلو بالعبودية لله، ليؤكد أن السلطة تكليفٌ لا تشريف، وأن الحاكم مأمورٌ قبل أن يكون آمراً.
أَوَّلاً: الْعَدْلُ مَعَ الرَّعِيَّةِ وَالْبُعْدُ الْإِنْسَانِيُّ

“وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْـخَلْقِ.”

هذه النظرة العلويّة هي نظرةٌ أبويةٌ لا قمعية، وفيها التفاتةٌ كونيةٌ إلى أن الرعية نسيجٌ متنوع؛ فعلى الحاكم مراعاة الجانب الإنساني قبل كل شيء، إذ إن الرحمة والعدل هما أساس الحكم المستدام، وليست الغاية هي السيطرة والشؤون المادية فحسب.
ثَانِيًا: سِيَاسَةُ الْإِعْمَارِ قَبْلَ الْجِبَايَةِ

“وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاَْرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْـخَرَاجِ، لاَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْـخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ.”

إن سياسة البلاد الحقيقية تبدأ بالتنمية والإعمار، فالفكر الحكومي الناضج يرى أن فرض الضرائب (الخراج) دون بناءٍ وتحتيةٍ هو تدميرٌ للدولة. هذا التفكير يركز على معيشة الإنسان وكيفية عيشه، وهو جوهر الفكر الإنساني المحض في إدارة المال العام.
ثَالِثًا: اخْتِيَارُ الْبِطَانَةِ وَالْوُزَرَاءِ

“إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلاْشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً، وَمَنْ شَرِكَهُمْ فِي الاثَامِ، فَلاَ يَكُونُنَّ لَكَ بِطَانَةً… ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْـحَقِّ لَكَ.”

تمثل هذه النقطة ركيزةً أساسيةً، فالبطانة الصالحة هي محرك الدولة، ويحذر الإمام من “تدوير الفساد” أو الاستعانة بمن تلوثت أيديهم بالآثام سابقاً. إن اختيار البطانة التي تصدع بالحق أمام الحاكم هو الضمان الحقيقي لدوام العدل.
رَابِعًا: رِعَايَةُ الطَّبَقَاتِ الضَّعِيفَةِ (التَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ)

“ثُمَّ اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْـمَسَاكِينِ وَالْـمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسِ وَالزَّمْنَى… وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ.”

هذا هو أصل ما نُسميه اليوم بـ “الرعاية الاجتماعية”، وهو واجبٌ إنسانيٌّ تجاه العاجزين والمعاقين. إن تخصيص “راتب” معلوم من بيت المال (البنك المركزي) لهؤلاء هو صونٌ لكرامتهم، وهو من أوجب واجبات ولي الأمر ليعفَّ المحتاج عن السؤال ويحفظ إنسانيته.
خَامِسًا: الرَّقَابَةُ النَّزِيهَةُ عَلَى الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ

“ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لاُِمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الاْمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ.”

الرقابة المالية والإدارية ضرورةٌ لمنع الفساد، وقد اشترط الإمام أن يكون “المراقبون” (أجهزة النزاهة) من أهل الصدق والخبرة والأمانة، وليس ممن لديهم سوابق. فالمتابعة المستمرة تفرض على المسؤولين التزام الأمانة والرفق بالناس.

الْخُــلَاصَــةُ

إذا أردنا بناء دولةٍ حقيقيةٍ، فعلينا تطبيق هذا “العهد العلوي” بحذافيره، وجعله منهجاً يومياً ننهل منه. إن هذا العهد ليس مجرد وثيقة إسلامية، بل هو دستورٌ إنسانيٌّ عالمي صالحٌ لكل زمانٍ ومكانٍ، ولكل نظامٍ يسعى لتلاحم الشعب مع حاكمٍ مخلصٍ لخدمة رعيته.

زر الذهاب إلى الأعلى