واقع المنظومة العشائرية بين أصالة العرف وسلطة القانون قراءة تفكيكية في فلسفة المشيخة وتحولاتها التاريخية

اجنادين نيوز / ANN
بقلم : اسعد الجوراني
تمثل المنظومة العشائرية إحدى أقدم البنى الاجتماعية التي اضطلعت بأدوار اجتماعية وسياسية وتوافقية عبر التاريخ
وفي المجتمعات التي شهدت تحولات سياسية حادة، تبرز جدلية العلاقة بين (العرف العشائري) بوصفه سلطة تقليدية والقانون الحديث بوصفه سلطة عقلانية وتشريعية للدولة تحاول هذه القراءة السوسيولوجية تفكيك فلسفة المشيخة وتتبع أزمنتها التاريخية ورصد التحديات المعاصرة التي تواجهها، فضلاً عن تحديد ثنائية (الأصالة والتصنع) في القيادة العشائرية وموقفها من سيادة القانون

#أولاً: فلسفة المشيخة ومحورية الدور الاجتماعي
تخضع القيادة العشائرية (المشيخة) لمعايير رقابية من قبل الجماعة المحيطه بها فالشيخ في صدر الديوان لم يكن مجرد رمز بروتوكولي، بل هو تحت مجهر النقد الاجتماعي المستمر وتفرض هذه المكانة محددات سلوكية وخطابية تتطلب ممارسة دور إرشادي واجتماعي عالي المضمون
تتطلب القيادة الرشيدة في المنظومة العشائرية العقلانية والابتعاد عن الخطابات التعبوية السطحية أو إثارة النعرات الحماسية غير المبررة نظراً لما قد تؤدي إليه من انفلات أمني
أو لجوء إلى القوة ما يتنافى مع الدور الجوهري للعرف بوصفه أداة لفض النزاعات لا لإشعالها ،

#ثانياً: التحول البنيوي للمشيخة من الإدارة والإقطاع إلى الوجاهة تكشف القراءة التاريخية أن المشيخة في صورتها المعاصرة ليست امتداداً سرمدياً أو ظاهرة تاريخية ثابتة، بل هي نتاج سياقات زمنية واقتصادية محددة تشكلت عبر الأزمنة القديمة في الحقب التي سبقت العهد الجمهوري ،كانت السلطة السياسية تمنح مساحات جغرافية واسعة (إقطاعيات) لنخب محلية لإدارتها وضمان ولائها ولذلك استعان كبار الملاك بـ السراكيل (مفردها سركال) لإدارة شؤون الأرض والفلاحين من الناحيتين الإدارية والتنظيمية ولم يكن هذا المنصب حكراً على البعد النسبي ، بل كان وظيفة إدارية وتنظيمية رفيعة تدير آلاف الدوانم مع زوال النظام الإقطاعي وظهور النظم السياسية الحديثة تحولت هذه الأدوار الوظيفية والإدارية بالتدريج إلى عناوين ومشيخات عشائرية مما يعني أن المنظومة المعاصرة أعادت إنتاج الوظيفة الإدارية السابقة في قالب اجتماعي رمزي

#ثالثاً: القيادة العشائرية بين الإرث والمؤهلات الذاتية
تطرح الوراثة للعناوين الاجتماعية إشكالية بنيوية فالعنوان الموروث قد يتعرض للضمور والتآكل نتيجة الضعف المادي
أوالسلوك الإقصائي وفي المقابل يبرز مفهوم صناعة المجد الشخصي عبر الاستحقاق أو الجهد المبذول وللمال الدور الرئيسي في صناعة المجد الحديث في البروز والتأثير

ويقودنا هذا التحليل إلى تصنيف المشيخة المعاصرة إلى نمطين رئيسيين
أ- المشيخة الفخرية (الأصيلة/ البخت) وهي القيادة الموروثة المستندة إلى شرعية تاريخية ومكانة اجتماعية راسخة وتحظى باحترام نابع من رمزيتها وقيمتها الاجتماعية
ب- المشيخة الشكلية (الصورية) وتتمثل في بروز قيادات تفتقر إلى قاعدة عشائرية حقيقية تدين لها بالطاعة من قبل الافراد وجاءت بسبب لضعف ، وقلة الخبره الاصحاب التوريث، وهو ما يفسر ظاهرة التكلف والبروز السلطوي لدى بعض المشايخ الجدد مقارنة ببساطة وتواضع الرعيل الأول ،

#رابعاً: جدلية العرف والقانون
إن تحول القبيلة من سلطة موازية إلى رمزية ثقافية مرهون بمدى قوة واستجابة سلطة القانون وتوفر التجربة الخليجية نموذجاً واضحاً في هذا السياق
تميزت بيئة دول الخليج العربي بكونها بيئة قبلية بحتة، ولكن مع فرض الدولة لسلطة القانون وتطبيقه بصرامة، انصاع أبناء القبائل للمفهوم الحديث للمواطنة ونتيجة لذلك تحولت العشائرية هناك إلى مسألة فخرية ورمزية وثقافية لا تتقاطع مع حصرية الدولة والقانون
أما الإشكالية الراهنة في بعض المجتمعات ف تكمن في
(الدمج الخاطئ ) والارتباك المفاهيمي، حيث يعمد البعض إلى تبني مفهوم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) بمعناه السطحي واستعراض القوة تعبيراً عن التضامن الأعمى، الأمر الذي يؤدي إلى تقويض سلطة القانون

#خامساً: الفصول العشائرية والجرائم المستحدثة
تمتلك الأعراف العشائرية مدونات غير مكتوبة وآليات متوارثة لحل النزاعات التقليدية بيد أن المنظومة المعاصرة تواجه تحدي الجرائم والظواهر المستحدثة التي أفرزتها الحداثة والتحولات الرقمية، مثل لذلك الابتزاز الإلكتروني، قضايا الربا والتعاطي والإتجار بالمواد المخدرة ، والتجار بالبشر ،
وهنا تبرز الحاجة إلى الحكماء والعوارف الاجتماعية لابتكار حلول عقلانية توازن بين حجم الجرم والحدث ويجب أن تتسم الفصول العشائرية بالعدالة والمنطق؛ فلا يمكن القبول قانوناً أو عقلاً بفرض أحكام عشائرية جائرة أو مبالغ مالية هائلة (فصل مجحف) لمعالجة القضايا إذ يجب مأومة العقوبة أو التعويض مع الجرم الفعلي بعيداً عن التعسف والظلم ،
وتبقى السلوكيات والمواقف العملية للإنسان خطواته هي المؤشر الحقيقي والدال على قيمته ومكانته الاجتماعية .

زر الذهاب إلى الأعلى