سَـواجـي الأرواح

اجنادين نيوز / ANN
فلاح كريم
بيني وبينها ليلٌ طويل، وعشرةُ أعوامٍ من الانتظار الصامت. كنتُ كمن يغني خلف الستار، يرتجفُ صوته قبل أن يصافح أسماع المحبوب. عشرُ سنواتٍ من الأمل والحرمان، أرقبُ طلتها المهيبة كأنها “أغداً ألقاك؟” ولا جواب. كانت قريبةً كالحلم، وبعيدةً كالنجم، تجلسُ في محراب كبريائها وأنا في محراب صبري، حتى ذاب الجليدُ في ليلةٍ شتائية، وانفتح الستارُ عن أول حرفٍ.. وأول نبضة.
طوال تلك السنين، كنتُ أرقبُ ملامحها الصارمة التي تشبه في حزمها رتبةً عسكرية، أقرأُ شطارتها وقوتها في كل حرفٍ تخطه، فتملؤني هيبةٌ تجعلني أقفُ خلفَ حدودِ الصمتِ خائفاً. كنتُ أتوقُ لأي همسةٍ منها، لكنني كنتُ أخشى المبادرة؛ أخشى أن ترفضني تلك الشخصية القوية فأنكسرُ أمام نفسي وأتأذى صدمةً لا شفاء منها.
لم تكن مجرد امرأة قوية، بل كانت مزيجاً نادراً من الوقار الأصيل والجمال الذي لا يشيخ؛ جمالٌ يستمد نوره من أخلاقها الرفيعة ورصانة عقلها. كانت في عيني سيدة حرفٍ تتقنُ حياكة الكبرياء بالأنوثة، وتمزجُ صرامة الإرادة برقةِ الروح التي تُهابُ وتُعشقُ في آنٍ واحد. أخلاقها العالية كانت هي الحارس الذي يمنعني من الاقتراب، وفي ذات الوقت كانت هي المغناطيس الذي يشدني إلى عالمها كل صباح.
وحين اعترفتُ لها بـ “الجنون” الذي تملكني، جاء ردها الذي أذال عقوداً من الجفاف بكلمة واحدة: “الگلوب سواجي”. لكنَّ السواجي لا تجري دوماً في طريقٍ معبد، ففي عمق روحها كان هناك وفاءٌ لجرحٍ قديم، قيدٌ لا يزال يربطها بالماضي. واليوم، وبعد أن أرهق التعبُ قلبها، زادت قلاعها متانةً خوفاً عليّ، وكأن جمال روحها يأبى أن يحملني ما لا أطيق.
عشرٌ من الأعوامِ مرّتْ كالثواني..
كنتِ لي طيفاً بعيداً.. كنتِ عنواني
قويةً.. شاطرةً.. تزدادُ رفعةً
فأراكِ شمساً في سمائي ومكاني.
وفي الشتاء ذابَ الثلجُ في لغتي
وحينَ نطقتُ بالحُبِّ.. كانَ جوابُكِ الجاني:
“الگلوب سواجي”.. يا سيدتي وفاتنتي
فهل يسيلُ دمي في نهرِكِ القاني؟
يا مدرسةَ الضادِ.. قلبي لا يُعلّلُ
بالمرضِ.. بالأوجاعِ.. بذكرى قديمةٍ
ماتَ الذي مضى.. واليومَ نولدُ من جديد
فلا تحجبي الشمسَ عن ليلِ حِرماني.
نسرقُ الكلامَ خِلسةً.. والقلبُ يرتجفُ
كأننا في مِحرابِ الشوقِ غرباءُ
أنتِ القويةُ.. والقلوبُ إذا التقتْ
داوتْ جراحَ التعبِ بطيبِ إحسانِ.
واليوم، لا أطلبُ إذناً من الماضي، ولا أستجدي عطفاً من الجراحِ القديمة. إنَّ قلباً صمدَ عشرَ سنواتٍ خلفَ أسوارِ صمتكِ المهيبة، لا ينكسرُ أمامَ لحظةِ تعبٍ أو قلاعِ كبرياء. إن كانَ “الگلبُ ساجيةً”، فقد جرفَ سيلُ جنوني كلَّ سدودِ التردد. مَن قال إنَّ الأمسَ يحكمُ الغد؟ ومَن قال إنَّ الوفاءَ للألمِ أسمى من الوفاءِ للحياة؟
أنا الذي قرأتُ في صرامةِ ملامحكِ قصيدةً لم يجرؤ غيري على تهجئتها، وأبصرتُ خلفَ وقاركِ ورصانةِ عقلكِ روحاً خُلقت من ضياءِ الحرفِ وسحرِ الوجود. سأقتحمُ صمتكِ بضجيجِ عشقي، وأُعيدُ صياغةَ الحكاية من أولِ شهقة. فإما أن نكونَ معاً كالفجرِ الذي لا يغيب، أو فليشهدِ الزمانُ أني أحببتُ سيدةً كانت عصيّةً على النسيان، فجعلتُ من كبريائها مِحراباً لا يُغادر




