التنوير الفكري: بين رحابة الوجود وانغلاق الأيديولوجيات

أجنادين نيوز / ANN
حكيم زغير الساعدي

​أولاً: ماهية التنوير الفكري
​التنوير الفكري، في جوهره الأصيل كما يطرحه الفيلسوف فرقد الأغا، ليس مجرد موقف نفي أو إثبات تجاه الميتافيزيقا، بل هو “حالة استنارة” تبدأ من تحرير العقل من “الأصنام الذهنية” والقوالب الجاهزة. هو الانتقال من سيطرة “التركيب المفهومي” (أي اختراع مفاهيم ذهنية مركبة والادعاء بأنها حقائق بسيطة) إلى الانفتاح على “الوجود العيني” المتدفق. التنوير هو القدرة على رؤية الإنسان كقيمة مطلقة وغاية في حد ذاته، بعيداً عن تصنيفات “مؤمن وكافر” أو “ناجٍ وهالك”. إنه عقلانية منفتحة تؤمن بصيرورة المعرفة وعدم توقفها عند نص أو صنم فكري.
​ثانياً: الإلحاد بين البحث المعرفي والجمود العقدي
​يُفرق التنوير بين مستويين من الإلحاد:
​الإلحاد كحالة بحث (الحالة الصحية): وهو الذي يمثل حراكاً عقلياً مشروعاً، حيث يسعى الإنسان للتحري عن الحقيقة دون جزم مسبق، متخذاً من الشك المنهجي وسيلة للمعرفة. هذه الحالة تعكس حيوية العقل ورفضه للتبعية العمياء.
​الإلحاد الدوغمائي (الحالة المتطرفة): وهنا تكمن الإشكالية التي يشير إليها الأستاذ فرقد الأغا؛ حيث يتحول الإلحاد بمرور الوقت من حالة بحث إلى “يقين أعمى” ومنظومة مغلقة. في هذه المرحلة، يسقط الملحد في فخ “الدوغما” ذاته، حيث يحصر الحقيقة في زاوية مادية ضيقة تلغي أي أبعاد وجودية لا تخضع للمسطرة المادية الجافة.
​ثالثاً: تحالف الأضداد في المنهج الرجعي
​عندما يتحول الإلحاد إلى “أيديولوجيا صلبة”، فإنه يتبنى “أحادية الرؤية” بامتياز. في هذه اللحظة، يتطابق الملحد المتطرف مع المتدين الدوغمائي في المنهج والسلوك:
​وحدة السلوك: كلاهما يمارس “الاستبداد الفكري” والإقصاء تجاه المخالف.
​الرجعية المعرفية: كلاهما يرى العالم من ثقب إبرة أيديولوجيته الخاصة، ويدعي امتلاك “الحقيقة النهائية”.
إن الملحد الذي يسخر من الآخر ويحتكر الصواب لا يختلف في بنيته العقلية عن “الرجعي المتدين”؛ فكلاهما لم يتحرر من المنطق الإقصائي الذي هو جوهر التخلف الإنساني، حتى وإن ارتدى الملحد ثياباً عصرية أو تحدث بلغة العلم.
​رابعاً: التنوير كبديل للجمود (سواء كان دينياً أو إلحادياً)
​يكمن الفرق الجوهري في أن التنوير الفكري يرفض “الماهيات الجامدة”. فبينما يحاول المتدين حصر المطلق في “ماهية” معينة ليحتكر التحدث باسمها، ويحاول الملحد المتطرف حصر الوجود في “عدمية مادية” ليحتكر الحقيقة، يأتي التنوير ليقول إن الوجود أكبر من هذه القوالب الذهنية.
​التنوير الفكري يعتبر أن أي فكر يحرض على إقصاء الآخر أو يحط من كرامة الإنسان هو فكر “رجعي” في جوهره. لذا، فإن التنوير هو “فصل الخطاب” الذي يحرر الإنسان من غطرسة الإلحاد المتطرف ومن جمود التدين التقليدي على حد سواء.
​خامساً: انتصار الوجود على الأيديولوجيا
​في هذه الرؤية التنويرية، الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الشك هي “الوجود الاصيل” و”الكرامة الإنسانية”. التنوير لا ينفي البحث عن الحقيقة، بل ينفي “التصورات المشوهة” والأصنام الذهنية التي يشيدها المنطق التقليدي أو العدمية المادية. هو دعوة للحب الإنساني الشامل، وصرخة في وجه كل أيديولوجيا تدعو للكراهية، مؤكداً أن العقل المستنير لا يصدر عنه إلا ما يعزز السلام والجمال والاتصال الوجودي العميق.

زر الذهاب إلى الأعلى