حبة الهستيريا

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المحامية حنين علي الأسدي
تنويه مهم:
جميع الأسماء، الشخصيات، التواريخ، والأحداث الواردة في هذه القصة هي من وحي الخيال، ولا تمتّ للواقع بصلة. أيّ تشابه بينها وبين وقائع حقيقية هو من قبيل المصادفة غير المقصودة.
الحياة كلمة بسيطة من أربعة حروف، تراها قصيرة جدًا، وهي كذلك فعلًا لمن يلهو ويلعب دون تفكير بالعواقب. نحن بشر وُضعنا في هذه الدنيا، وآخرنا الزوال لا محالة. لنفكر بآخرتنا، ولنعمل لها. هنالك طريقان ليسلكهما البشر:
إمّا الخطأ، وهو طريق متعرج، ومن الممكن أن يخدعك في بدايته إلى أن تقع،
وإمّا الصواب، وهو طريق يرشدك إلى الله، وما أجمله من طريق.
أجل، نحن كبشر هنالك ملذات للدنيا كثيرة، ومغريات لا تُعد ولا تُحصى، ولكن كلًّا وضع الله في داخل رأسه عقلًا ليفكر به، وهذا ما ميّزنا به الخالق عن الحيوانات. لذا فكّروا قبل أن تُقدموا على طريق يذهب بكم إلى التهلكة، ومن يخطئ فليعد إلى ربه عودةً خالصةً نقية. الله غفور رحيم، ولكن فلتتذكروا أنّه أيضًا شديد الحساب.
لقد أطلت عليكم في المقدمة، وأنا أعتذر، ولكن ما مررتُ به كقنبلة موقوتة كان من الممكن أن تدمّر حياتي، لو لم يوقفوها في وقتها المناسب لحطّمتني إلى أشلاء.
أنا علي ماجد، وما ستسمعونه أتمنى أن تأخذوه بعين الاعتبار، وتجعلوا منه عبرةً ودرسًا لإرشادكم إلى الطريق المناسب.
تاريخ 1/7/2025
كنت واقفًا في وسط المنزل، وتحاوطني أربعة جدران باردة، متهالكة، متآكلة. لا كهرباء، ولا ماء، ولا طعام نعيش منه بهناء. وقعتُ على الأرض، وصرختُ بأعلى صوتي لأُخرج ما في داخلي من بركانٍ يغلي.
خرجت أمي وأختي أسماء من غرفتهم الصغيرة، أخذن يحدّقن بي، وعلامات الحزن على وجوههم، فإنهنّ يعلمن ما بي، ولماذا أخذت أصرخ بهذا الكم الكبير من الوجع، ولكن ليس بيديهم حيلة لمساعدتي.
الأم (بنبرة يملؤها الحزن): يا ولدي علي، أنا أعلم علم اليقين ثقل المسؤوليات الجسام التي أُلقيت على عاتقك بعد رحيل والدك، كما أننا لا نعلم ما الذي أصاب قدمك وجعلك لا تقوى على المسير. أرجوك أن تذهب إلى الطبيب ليعاين حالتك، فأنت غالٍ علينا، ولا نتحمل خسارتك. لم يتبقَّ لي في هذه الدنيا سواك أنت وأختك، فحافظوا على صحتكم، فكل أملي أن أراكما بخير دائمًا.
علي (وقد أطرق برأسه أرضًا): يا أمي، أنا بخير، سأزور الطبيب في وقت لاحق. أمّا الآن فيجب أن أجد حلًّا لمشكلة الماء والكهرباء، سأعمل جاهدًا لإعادتهما إلى المنزل، وبعدها لكل حادث حديث. هيا فلنخلد إلى النوم، فقد تأخر الوقت، وعليكِ أن توقظيني غدًا باكرًا لأنطلق إلى عملي.
الأم: ولكن قدمك لا تزال تؤلمك! كيف ستطيق العمل وأنت في هذه الحالة؟
علي: سأتدبر شأني، لا تقلقي. أنا بطل في بناء المنازل، ألا ترين عضلاتي؟
(تبادل الجميع الضحكات لتخفيف التوتر، ثم انصرف كلٌّ منهم إلى غرفته).
الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل.
علي: أبا مؤمل، سأرافقكم غدًا إلى العمل، أرجو أن تهاتفني فور وصولك إلى باب منزلي.
أبو مؤمل: يا علي، هل زرت الطبيب ليعاين قدمك؟ لا أظن أنك قادر على بذل مجهود في العمل بينما الألم ينهش جسدك هكذا.
علي (بنبرة حادة وغاضبة): ما الذي دهاكم جميعًا؟! الجميع يلاحقني بالسؤال عن قدمي! أنا بخير، ولا شأن لأحد بي. سأذهب إلى الطبيب لاحقًا، ليس الآن.
أبو مؤمل: على رسلك يا ولدي، هدئ من روعك، إنني لم أكن إلا قلقًا عليك.
علي: لا داعي للقلق، فأنا بخير.
في تمام الساعة الرابعة فجرًا.
الأم: استيقظ يا علي، لقد بلغت الساعة الرابعة فجرًا، يجب أن تتجهز للعمل. هاتفك يرن دون انقطاع، أبو مؤمل يتصل بك.
علي: حسنًا يا أماه، لقد استيقظت.
أبو مؤمل (عبر الهاتف): أين أنت يا علي؟ لقد هاتفتك مرتين ولم تجبني! هل هكذا ستكون بدايتنا معك؟
علي: لِمَ تصرخ بوجهي هكذا؟ أخبرتك أنني مستيقظ. سأرتدي ملابسي وأخرج إليك فورًا، أمهلني ربع ساعة فقط.
تجهز علي ولبس ملابسه البسيطة الصيفية، أعطته والدته الطعام ليأكل في الطريق قبل أن يصل للعمل، كونه لم يتناول الطعام في المنزل لتأخره.
بعد تسع ساعات متواصلة في العمل أصبحت قدمه بحالة سيئة جدًا، ولكنه أخذ يكابر على الألم.
أبو مؤمل: علي، أرى أنك لست على ما يرام، خذ قسطًا من الراحة لنصف ساعة، ثم عاود العمل بعدها مع زملائك.
علي: كلا، أنا بخير. يجب أن ننهي عمل هذه الغرفة، فلم يتبقَّ إلا القليل.
أبو مؤمل: كما تشاء، ولكن نصف ساعة لن تؤثر على سير العمل، فاسترح قليلًا.
علي: أرجوك لا تضغط عليَّ، فأنا بخير تمامًا، أستطيع حمل فيل عظيم الحجم، وقدماي لا تزالان سليمتين وبأفضل حال.
أبو مؤمل: إنك رجل عنيد حقًا! أتمنى أن يكون قولك صدقًا، وأنك بخير فعلًا.
علي: أنا بخير والحمد لله، لا تشغل بالك بي.
انتهى العمل الساعة الرابعة مساءً، وعاد الجميع إلى منزله، ولكن علي توقف الزمن عنده في تلك الأثناء عند نقطة معينة، أن أقدامه لم تعد كما كانت في السابق، أصبحت ترهقه كثيرًا، ولا يعلم ماذا أصابه.
بعد مرور أسبوعين سدد علي فاتورة الماء والكهرباء، ولم تبقَ لديه التزامات لهذا الشهر.
الأم: علي، لِمَ لا تذهب إلى الطبيب؟ لقد أديتَ واجبك نحونا على أكمل وجه، وسددتَ جميع الفواتير، والحمد لله قد توفر لدينا الطعام الوفير. لقد جاء دورك الآن، اذهب لتعالج نفسك.
علي: معكِ حق يا أماه، لقد نال التعب مني كثيرًا. سأذهب في الشهر القادم إن شاء الله، فلم يتبقَّ إلا القليل.
1/8/2025 – الساعة الثالثة مساءً
في عيادة الطبيب
علي (بنبرة يملؤها التوتر): السلام عليكم أيها الطبيب، أنا علي، وقد جئتك بسبب مشكلة في قدمي. لا أعلم حقيقة ما أصابها، لكنها باتت تؤلمني بشدة، ويشتد هذا الألم تحديدًا أثناء العمل.
الطبيب: لا يمكنني تحديد حالتك الآن بدقة، فبالرغم من إجراء الفحص السريري الأولي، إلا أننا نحتاج للتأكد من خلال نتائج الفحوصات اللازمة والتحاليل الدقيقة.
بعد مرور ساعتين.
علي (القلق ينهش ملامحه): تفضل أيها الطبيب، هذه هي نتائج الفحوصات.
الطبيب (يتفحص الأوراق بتركيز ثم يرفع بصره بأسى):
لا أدري ماذا أقول لك، أو من أين أبدأ. ولكن يتحتم عليك الاهتمام بصحتك جيدًا منذ هذه اللحظة، وإياك أن ترهق نفسك بالعمل الشاق.
علي (بلهفة): ما هي نتيجة الفحص؟ أخبرني أرجوك.
الطبيب: تعاني قدمك من تمزق حاد في الأعصاب. سأكتب لك وصفة طبية، ولكن شرطي الأساسي أن تلتزم بها تمامًا، وأن تنقطع عن العمل نهائيًا طوال فترة العلاج، ثم تراجعني بعد انتهائها.
علي (بصدمة): ولكن أيها الطبيب، وضعي لا يسمح لي بترك العمل أبدًا! فأنا العائل الوحيد لأسرتي بعد وفاة والدي، وإن تركت العمل فمن سيتدبر شؤون عائلتي ويؤمن قوت يومهم؟
الطبيب: أدرك تمامًا حجم المعاناة وصعوبة الأمر عليك، ولكن عليك بالصبر لفترة وجيزة، فبمجرد شفائك يمكنك العودة لممارسة عملك مرة أخرى.
علي (بيأس): سأحاول الالتزام بكلامك قدر المستطاع.
الطبيب (بنبرة تحذيرية): لا أريد منك مجرد محاولة، بل يجب أن تنفذ تعليماتي بدقة، وإلا فإنك مهدد بفقدان القدرة على الحركة تمامًا مع مرور الأيام.
علي: شكرًا لك أيها الطبيب.
الطبيب: لا شكر على واجب، هذا واجبي المهني والإنساني.
1/9/2025 – الساعة السابعة مساءً
أسماء (بنبرة غاضبة): يا أمي، الوضع لم يعد يُحتمل! لقد نالت منا الحياة، وعليّ لم يعد قادرًا على العمل بسبب قدمه. ورغم ذهابه إلى الطبيب، إلا أن حالته لا تزال تراوح مكانها دون أي تحسن ملحوظ!
الأم (بصوت خفيض): اخفضي صوتكِ ولا تصرخي، سيسمعكِ أخوكِ، ونحن لا نريد إزعاجه. سنرتب أمورنا، وسنبحث عن عمل لنساعده في نفقات المنزل.
أسماء: وهل تظنين أن علي سيقبل بعملنا؟ إنه عنيد، بل شديد العناد كأبيه! عقليتهما متصلبة تجاه عمل المرأة، ولا أدري لِمَ يمنعوننا من ذلك رغم أننا قادرات على فعل ما يفعلونه وأكثر!
الأم: سأحاول إقناعه بضرورة عملنا، فلا تقلقي.
أسماء: أرجو ذلك، لكني على يقين بأنه لن يوافق أبدًا.
(فجأة، يظهر علي عند الباب بعد أن سمع حوارهما)
علي: لقد سمعت حديثكما وما دار بينكما، وأعلنها لكما: أنا غير موافق على عملكما بتاتًا! أنتما ملكتا هذا المنزل، ولا أسمح بأن تمس أيديكما عناء العمل أبدًا. عقليتي ليست متصلبة كما تفضلتِ يا آنسة أسماء، ولكني لا أقبل أن تعمل أمي وأختي وأنا لا أزال على قيد الحياة. أنتما تستحقان كل إجلال وتقدير. سأدبر شؤوني وأعود للعمل فورًا، فلا تقلقا. قدماي أصبحتا الآن بخير، بل هما أفضل من ذي قبل.
غرفة المعيشة – الساعة التاسعة مساءً
(رن هاتف علي)
أياد: أهلًا بك يا علي، هل أنت مستعد للخروج معنا قليلًا كما اعتدنا سابقًا؟ هي جلسة أصدقاء، نحتسي فيها بعض القهوة ونتبادل الأحاديث.
علي: إنني متعب جدًا، ولا رغبة لي في الخروج الليلة، أرجو أن تعذروني.
أياد: أعلم أن وضعك الصحي ليس على ما يرام، وأنك لست بخير، ولكن استنشاق بعض الهواء النقي برفقة الأصدقاء سيحدث فرقًا كبيرًا في نفسيتك، وأنا واثق بأن صحتك ستتحسن بمجرد خروجنا سويًا.
علي (بتعجب): وكيف ستتحسن صحتي بمجرد وجودي معكم؟ لا أفهم ما تعنيه!
أياد (بنبرة غامضة): ستعرف السر في ذلك عند اجتماعنا، فقط تعال.
المقهى
الساعة التاسعة والنصف
علي: أهلًا يا رفاق، كيف حالكم؟ أرجو أن تكونوا بخير.
أياد: نحن بخير ما دمت أنت بخير.
مرتضى: ما سر هذا الغياب الطويل؟ أين كنت طوال هذه المدة؟
علي: أنا موجود، ولكنكم تعلمون، نحن منشغلون بالعمل وهموم الحياة.
مرتضى: لقد بلغنا أنك مريض وأن قدميك تؤلمانك، الحمد لله على سلامتك، لا بأس عليك.
علي: سلّمك الله من كل سوء يا أخي مرتضى. نعم، هذا صحيح، أعاني من تمزق في الأعصاب، وقد زرت الطبيب ووصف لي علاجًا، لكن الألم لا يزال مستمرًا.
أياد: لديّ شيء سيفيدك كثيرًا، وأنا واثق تمامًا من ذلك.
علي: أتمنى ذلك، فقد سئمت حقًا، فأنا رجل أعيل أسرة وأحتاج للعودة إلى عملي.
أياد: لا تشغل بالك، اترك الأمر لي. فور خروجنا من المقهى سأدبر لك الأمر.
الساعة العاشرة والنصف
خرج كلٌّ من أياد وعلي سويًا بعد أن ترخصا من صديقهم مرتضى.
أياد: حسنًا، أستأذنك الآن، وسيرافقني علي أيضًا.
مرتضى: إلى أين؟ لا يزال الوقت مبكرًا!
أياد: علينا الانطلاق، فلدي أمر سأقوم بترتيبه مع علي، ومن ثم نعود إلى المنزل.
مرتضى: في أمان الله، حياكم الله.
بعد نصف ساعة
اتجه الصديقان إلى مكان ما. قبل وصولهم دار بينهم حديث رآه علي غريبًا بعض الشيء، حاوطته الشكوك والقلق، ولكنه كان يثق بصديقه، فاستمر معه.
أياد: سآخذك الآن إلى شخص ما لنبتاع منه علاجًا، وما إن تتناوله حتى تستعيد قوتك ونشاطك وتعود كالحصان إلى عملك.
علي: إلى أين نحن ذاهبان؟ هل تقصد أننا سنقصد طبيبًا؟
أياد: أجل، إنه طبيب من طراز خاص، لكنه سينفعك بالتأكيد.
مكان ما
كان المكان مظلمًا، وتحاوطه العتمة إلى درجة كبيرة، وقذارة النفايات تحيط بنا برائحتها النتنة والبشعة. استغربت من تواجدنا هنا، وكان الغرض لشراء العلاج. أي علاج هذا الذي نشتريه من هذا المكان القذر؟ أنا لا أعلم، ولكن سايرت أياد لحاجتي فعلًا إلى العلاج الذي لديهم.
أياد: هيا انزل، لقد وصلنا. فلننتظر هنا، سيحضرون لنا الدواء الآن.
علي: ما نوع هذا الدواء؟ أرى أن المكان لا يوحي أبدًا بأنه مخصص لبيع أدوية مرخصة! ألا ترى القذارة هنا؟
أياد: يا أخي، العبرة بالنتيجة، لا يهمك من أين نحصل عليه.
شخص مجهول: أعتذر عن التأخير، تفضل، هذا هو الدواء.
علي: ما هوية هذا الدواء؟ ولماذا كل هذا الحرص على أن نتسلمه في مكان مريب كهذا؟
شخص مجهول: اسم الدواء “ترامادول”. سيفيدك كثيرًا في علاج مفاصلك والتمزق الذي تعاني منه. تناول نصف حبة فقط لا أكثر، كلما عزمت على الذهاب إلى العمل.
علي: وماذا لو تناولت حبة كاملة؟ ماذا سيحدث؟
أياد: من الأفضل أن تكتفي بنصفها كما أخبرك الرجل.
شخص مجهول: أين المال؟
علي: كم السعر؟
شخص مجهول: خمسة وعشرون ألفًا.
علي: تفضل، وإذا أثبت فعاليته حقًا، سأبتاع منكم كميات أخرى بانتظام.
شخص مجهول: سيكون خيرًا إن شاء الله.
المنزل
الساعة الثانية عشرة منتصف الليل
دخل علي المنزل، وفي باله الكثير من الأفكار الشائكة تتصدر ذاكرته، ولكنه فضل تركها للزمن ليجيب عليها، وقرر الخوض بتجربة أقرب إلى الخطأ ومعدومة المصير، لا شك بها.
الأم: يا ولدي، أين كنت؟ لقد انشغل بالنا عليك كثيرًا. انظر إلى الساعة، لقد تأخر الوقت وأنت لا تزال في الخارج!
علي: كنت مع أصدقائي، ومن الغد سأخرج لممارسة عملي.
الأم: يا ولدي، وهل تقوى على العمل في حالتك هذه؟ وضعك الصحي لا يسمح لك بأن ترهق نفسك.
علي: سأتدبر أمري. تصبحين على خير يا أمي.
بعد ربع ساعة
علي: أبا مؤمل، سأخرج معكم اليوم للعمل.
أبو مؤمل: هل أنت متأكد من قدرتك على ذلك؟ أخشى أن نصل إلى موقع العمل ويغالبك التعب.
علي: لا تقلق، الأمر تحت سيطرتي تمامًا.
أبو مؤمل: على بركة الله، نرجو أن يكون خيرًا.
الساعة الرابعة صباحًا
أخذ علي يقلب الحبة يمينًا ويسارًا، وفي داخله تردد كبير:
هل يأخذها أم لا؟
هل ستنفعه أم ستضره؟
هل ستكون خلاصه أم سجنه الأبدي؟
الحبة: لِمَ تنظر إليّ هكذا؟ تناولني ولن تندم، فما سأقدمه لك سيفوق كل توقعاتك.
علي: يساورني شك عظيم تجاهكِ، وأعتقد أنكِ ستتسببين في تدهور حالتي أكثر إذا ما استمررتُ عليكِ.
الحبة: لقد ذكرتَ أنني سأدهور حالتك إن استمررتَ في تناولي، ولكن خذني كما طُلب منك سابقًا، “نصفي” فقط، وسأريح أعصابك وعضلاتك، وبفضلي ستغدو قادرًا على ممارسة أعمالك اليومية بكل قوة.
علي: سأتجرع نصفكِ الآن، وسأرى ما هو مفعولكِ بعد ذلك.
في الساعة الخامسة صباحًا ورد اتصال هاتفي لصديقنا علي، كان المتصل أبو مؤمل.
أبو مؤمل: علي، هل أنت مستعد للمضي معنا؟
علي: مستعد وبكل قوة.
أبو مؤمل: سأنتظرك أمام الباب.
في العمل، أخذ علي يحمل مواد البناء ويتسلق السلم بكل قوة وثبات دون أي ألم أبدًا، فأعجبه الوضع لدرجة كبيرة، وسعد بما قدمه له هذا العلاج.
أبو مؤمل: ما شاء الله يا علي! لقد أصبحت اليوم بطلًا. من أين استمددت كل هذه القوة؟ إنني ألاحظ سرعة في حركتك، رغم أنك كنت بالأمس القريب لا تقوى على المشي إلا بصعوبة.
علي: هذا فضل من الله.
1/10/2025 – الساعة السادسة صباحًا
زادت الأعمال الشاقة على علي، لم يستطع السيطرة على الوضع، وعادت أقدامه تؤلمه قليلًا.
أبو مؤمل: أشعر أنك لست بخير يا علي، حالتك مضطربة وملامح وجهك تغيرت تمامًا! إنك تتقيأ بكثرة وتعاني من صداع شديد. تناولت علاجك ولم يؤتِ ثماره؟
علي: صدقني لا أدري ما الذي أصابني، أظن أني أمر بوعكة بسبب تغير الأجواء. لا تشغل بالك، سأتحسن خلال أيام قليلة.
أبو مؤمل: خذ قسطًا من الراحة لعدة أيام، ثم عد إلينا.
علي: لا، يجب أن أعمل بأقصى ما أستطيع لأجمع المال لعائلتي، فأنا أخشى أن يداهمني مكروه وأفقد حياتي، أريد أن أنفعهم قبل أن يسترد الله أمانته.
أبو مؤمل: اذكر الله يا علي، كل أمر سيهون بإذنه، وأرجو لك الشفاء والعافية.
لحظات الانزلاق في الهاوية
الحبة: علي، أعتقد أن “نصفي” لم يعد يكفي لمنحك الفائدة المرجوة. يجب أن تتناولني كاملة لأقدم لك نفعًا أعظم.
علي: هذا الأمر سيضر بصحتي حتمًا، وأنا لا أريد الوصول إلى هذه المرحلة المتدهورة.
الحبة: ليس هناك ما يضر، سأنفعك دون أدنى شك. جرّب ولن تخسر شيئًا.
اتجه علي معهم إلى مكان البناء، وكانت هذه آخر لحظاته وهو واقف على قدميه بعد انتهاء العمل.
أبو مؤمل: هيا يا شباب، لقد انتهينا من عمل اليوم. لنذهب معًا لتناول وجبة شهية، فقد بذلنا جهدًا مضاعفًا في البناء.
علي: اذهبوا أنتم، فأنا لا أستطيع مرافقتكم.
أبو مؤمل: مستحيل! لن ندعك تذهب، ستأتي لتناول العشاء معنا حتمًا.
اتجه علي نحو السيارة ليذهب إلى المنزل، فأصابته دوخة شديدة، ولم يستطع السيطرة على أطرافه، وأصبح يهلوس بكلمات غير معروفة. انتبه أبو مؤمل على حالته، فلغى العشاء، وحاول مساعدته. اتجه معه إلى السيارة ليوصله إلى المنزل، واوصله وعند وصولهم أمام باب المنزل وقع علي مغشيًا عليه، وتم نقله إلى المستشفى.
الطبيب: لقد أجرينا له الفحوصات اللازمة، وتبيّن وجود جرعات كبيرة من المواد المخدّرة في جسده؛ هو الآن في حالة إدمان حقيقية، ويجب أن يتخلّص منها.
أبو مؤمل: أيها الطبيب، ماذا تقول؟ عليٌّ إنسان محترم جداً، وليس ممن يتقربون لهذه الأمور الشائنة!
الطبيب: لكن ما أقوله هو ما أثبتته الفحوصات الطبية. لا بد من مراجعة طبيب مختص ليضع له جدولاً ونظاماً دقيقاً لتخليص جسده من هذه السموم.
الأم (بنبرة مرتعشة): أيها الطبيب، هل ما تقوله حقيقة أم أنك تمازحنا؟
الطبيب: أعلم أن قولي هذا قد صدمكم، ولكن هذا هو الواقع المرير. يبدو أن لأصدقاء السوء دوراً في دمار هذا الشخص. نحن نحرص تماماً على ألا تُباع هذه الأدوية دون وصفة طبية، ولكن مهما بلغت درجة حرصنا، لا يمكننا السيطرة الكاملة على السوق السوداء والشبكات الإجرامية. هذا دور القوات المسلحة لردعهم، والقانون لمحاسبتهم، وأنا واثق بأن القانون يأخذ مجراه في هذه الحالات بكل ما أوتي من قوة. والآن استأذنكم، فلدي مرضى آخرون يجب أن أتابع حالتهم.
الأم: جزاك الله خيراً أيها الطبيب، واعتذر إليك عن طريقتي في الحديث معك.
الطبيب: لا بأس عليكِ يا أماه، أهلاً بكِ في كل وقت، وأنا أقدّر تماماً وضعكِ الصعب.
غرفة المستشفى
بعد استيقاظ علي بساعات، اخبروه بوضعه الصحي وما أصابه بسبب تناول المخدرات. القي القبض عليه بتهمة تعاطي المخدرات، وأثناء التحقيق اعترف على صديقه أياد، وصديقه أخبرهم بمكان الشخص الذي اشتروا منه (الترامادول)، خرج علي بكفالة صديقه ابو مؤمل، وقرر العلاج لدى طبيب مختص.
قرار الحكم النهائي
محكمة جنايات البصرة / الهيئة الأولى
رقم القرار: 2045 / ج / 2025
تاريخ الإصدار: 1 / 11 / 2025
القاضي: خالد عبد الرحمن (رئيساً)
عضوية القاضيين: علي محمد جاسم و ميسر محمود فوزي
المدعي العام: كرار محمود علي
أولاً: ملخص وقائع الدعوى تتلخص وقائع الدعوى بأن المتهم الأول (علي ماجد)، وبسبب معاناته الجسدية وظروف معيشته الصعبة، انقاد خلف نصيحة مضللة من صديقه المتهم الثاني (أياد.س)، الذي قاده إلى مكان مشبوه لشراء مادة (الترامادول) المخدرة خارج السياقات الطبية وبدون وصفة رسمية. ثبت للمحكمة أن المتهم (علي) استمر على تعاطي هذه المادة حتى وصل إلى حالة من الإغماء والتدهور الصحي الشديد، بينما ثبت أن المتهم (أياد) كان هو الوسيط والمحرّض والمسهّل لعملية الشراء والتعاطي. ثانياً: تكييف الجريمة والأدلة بخصوص المتهم (علي ماجد): ثبت ارتكابه جريمة التعاطي للمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة (32) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لسنة 2017. بخصوص المتهم (أياد.س): ثبت ارتكابه جرم التوسط والترويج للمواد المخدرة، وهو ما ينطبق عليه نص المادة (28/ سادساً) من ذات القانون، كونه ساهم في إيصال المتعاطي إلى المصدر الممنوع.
الأدلة المتوفرة:
1_ التقارير الطبية التي أثبتت وجود مادة (الترامادول) بنسب عالية في دم المتهم (علي).
2_ اعتراف المتهم (علي) الصريح في مرحلة التحقيق والمحاكمة وتعاونه بكشف المروجين.
3_ اعتراف المتهم (أياد) بكونه الوسيط في عملية الشراء.
ثالثاً: العقوبة
للمتـهم (علي): وجدت المحكمة أن المتهم شاب في مقتبل العمر، وهو المعيل الوحيد لعائلة فقيرة، وسجله الجنائي خالٍ من السوابق، كما أن دافعه كان “تسكين الألم” وليس النية الجرمية للفساد. لذا قررت المحكمة النزول إلى الحد الأدنى للعقوبة والرأفة بحقه.
للمتـهم (أياد): وجدت المحكمة أن فعلته تتسم بالخطورة، كونه جرّ صديقه إلى طريق الهلاك بدلاً من نصحه طبياً، مما يستوجب عقوبة رادعة.
النطق بالحكم
استناداً لأحكام قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لسنة 2017، قررت المحكمة ما يلي:
1_ إدانة المتهم (علي ماجد) بموجب المادة (32):
الحكم عليه بـ الغرامة المالية وقدرها (5,000,000) خمسة ملايين دينار عراقي فقط.
نظراً لكونه موقوفاً لفترة طويلة، تقرر احتساب مدة التوقيف من مبلغ الغرامة بواقع (50,000 دينار) عن كل يوم، وبذلك تُعتبر الغرامة مُسددة بالكامل ويُطلق سراحه فوراً ما لم يكن مطلوباً عن قضية أخرى.
إلزامه بمراجعة مركز صحي مختص للتأكد من تمام شفائه من آثار الإدمان تحت إشراف قضائي.
2_ إدانة المتهم (أياد.س) بموجب المادة (28/ سادساً):
الحكم عليه بـ الحبس الشديد لمدة (خمس سنوات).
إلزامه بدفع غرامة مالية قدرها (10,000,000) عشرة ملايين دينار عراقي.
مصادرة الهواتف المستخدمة في عملية التواصل لغرض الترويج ومصادرة المادة المخدرة.
3. قرار بحق المروج (مجهول الهوية):
إحالة الأوراق التحقيقية الخاصة بـ “الشخص المجهول” الذي قام ببيع المادة إلى الجهات الأمنية المختصة لملاحقته وتقديمه للعدالة.
صدر القرار حكماً وجاهياً بالاتفاق في 1 / 11 / 2025، قابلاً للتمييز.
رئيس المحكمة وأعضاؤها:
(خالد عبد الرحمن) (علي محمد جاسم) (ميسر محمود فوزي)
مشهد الختام
كان علي جالساً في وسط غرفته بإضاءة خافته جداً، كأنه يجلد ذاته.
علي: ما كانت حبة… كانت غفلة.
اخذ ينظر إلى يده التي تناول بها السموم، وعلامات الحزن على ملامحه.
علي: وأغلى ثمن دفعته… كان هدم صحتي.
لو لم اصحى في الوقت المناسب لكانت سلبت حياتي ولكن الله ودعوات والدتي هم من انقذوني من السقوط في الظلالة
رسالة توعية
لا تجعل ضغط الحياة
يقودك إلى خيار يدمرك.
الصديق الحقيقي
لا يجرّك إلى المجهول،
ولا يقدّم لك مواد مخدرة
بدل النصيحة.
قوّتك ليست فيما تتعاطاه،
بل فيما ترفضه.
الوعي اليوم…
يحميك من ندم العمر.




