حقائق بحر الصين الجنوبي وموقف الصين: من التاريخ إلى الواقع

أجنادين نيوز / ANN

بقلم تشاو تشي جيون، صحفي صيني متخصص في الشؤون الدولية

نشرت مؤخرًا معهد شينخوا الصيني، وهو مركز أبحاث تابع لوكالة أنباء شينخوا، سلسلة تقارير باللغتين الصينية والإنجليزية بعنوان «الحقائق بشأن بحر الصين الجنوبي»، لتقديم نافذة مهمة لفهم موقف الصين بشأن بحر الصين الجنوبي. توضح هذه التقارير بشكل منهجي أساسيات السيادة والمصالح البحرية للصين في جزر البحر الجنوبي من حيث التاريخ والقانون، كما تكشف عن تدخل القوى الخارجية مثل الولايات المتحدة في شؤون البحر الجنوبي، وتستعرض جهود الصين في تعزيز التعاون والمنافع المشتركة. وتتزامن هذه التقارير مع مرحلة زمنية مهمة، حيث ستجري الصين في الثالث من سبتمبر عرضًا عسكريًا بمناسبة الذكرى الثمانين لانتصار حرب المقاومة الصينية ضد العدوان الياباني والحرب العالمية ضد الفاشية، لعرض قدراتها الدفاعية وتصميمها على حماية سيادة الدولة. فالتاريخ والواقع يتداخلان لتقديم رسالة واضحة: لدى الصين أساس تاريخي وقانوني، ولديها أيضًا القدرة على التحرك في الحاضر وتحمل المسؤولية في المستقبل.
من منظور التاريخ، تتمتع الصين بسيادة متجذرة في بحر الصين الجنوبي منذ أكثر من ألفي عام. فقد كان الصيادون الصينيون يبحرون ويصطادون في مياه البحر الجنوبي منذ زمن بعيد، وسجلت خرائط الملاحة من عهد أسرة مينغ وتشينغ، مثل كتاب «قوَّر لوبو»، أسماء الجزر ومسارات الإبحار بدقة، كما عينت الحكومة الإمبراطورية مسؤولين لإدارة شؤون الملاحة في البحر الجنوبي، ما يُظهر ممارسة الصين المستمرة للسيادة على هذه الجزر. بعد الحرب العالمية الثانية، نص المجتمع الدولي على ضرورة إعادة اليابان للأراضي الصينية التي كانت قد احتلتها، وفقًا لإعلان القاهرة وإعلان بوتسدام. وفي عام 1946، أرسلت الصين السفينة الحربية «تايبينغ» إلى جزيرة تايبينغ في جزر سبراتلي، ورفعت العلم الصيني، وأقامت نصبًا تذكاريًا، وأعادت تسمية الجزر، لتنفيذ عملية استعادة فعلية للجزر. وقدمت الولايات المتحدة في ذلك الوقت سفنًا برمائية لمساعدة الصين على استعادة جزر برأسيل. ومنذ ذلك الحين، أشارت معظم الخرائط الدولية إلى أن جزر البحر الجنوبي هي أراضٍ صينية. هذه الحقائق التاريخية تثبت أن أي إنكار لسيادة الصين على هذه الجزر يعني في الواقع إنكار النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ومن وجهة نظري، فإن فهم قضية البحر الجنوبي يجب أن يبدأ من منظور تاريخي وقانوني شامل، فالتركيز على وجهة نظر جزئية قد يضلل الرأي العام الدولي ويغفل الحقيقة كاملة.
إلا أن توتر الوضع في البحر الجنوبي لم ينشأ بسبب مطالب الصين السيادية، بل بسبب التدخل المتكرر للقوى الخارجية. وتبرز الولايات المتحدة بشكل خاص في التحركات العسكرية الاستفزازية في البحر الجنوبي. ففي عام 2024 وحده، أرسلت الولايات المتحدة أكثر من ألف مهمة جوية استكشافية ضخمة، كما مرت السفن الأمريكية يوميًا تقريبًا عبر المناطق الحساسة، علاوة على تحريضها للفلبين في منطقة رينيه على خلق توترات، وحتى قيام أفراد من البحرية الأمريكية بالصعود على السفن الفلبينية الموردة، ما يزيد من حدة الصراع. بالإضافة إلى ذلك، تحاول الولايات المتحدة التأثير على الرأي العام الدولي. ففي قضية التحكيم في البحر الجنوبي عام 2016، شارك مكتب محاماة أمريكي بشكل مكثف في القضية، مما أدى إلى صدور حكم بلا شرعية قانونية، كما ابتكرت مراكز الأبحاث الأمريكية نظرية «العمليات في المنطقة الرمادية» لتصوير أعمال الصيادين الصينيين العادية على أنها «أنشطة شبه عسكرية». ومن وجهة نظري، فإن هذه الممارسات لا تضر فقط بالاستقرار الإقليمي، بل تحول البحر الجنوبي إلى ساحة صراع سياسي لدول خارجية، بدلاً من أن يكون بحرًا للسلام والتعاون. ومن اللافت أن العديد من دول جنوب شرق آسيا لا تتبنى منطق المواجهة الأمريكي، حيث صرح رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد قائلاً: «لا نريد أن يصبح البحر الجنوبي ساحة حرب»، وشدد رئيس وزراء سنغافورة لي هسين لونغ على أن رابطة دول جنوب شرق آسيا لا ترغب في الانحياز بين الصين والولايات المتحدة. هذه الأصوات توضح أن إثارة القوى الخارجية للتوترات لا تصب في مصلحة الدول الإقليمية، وتدعونا للتفكير بأن السلام والاستقرار الحقيقيين يجب أن يبنيا على احترام التاريخ والقانون، وليس على الترهيب العسكري والتلاعب بالرأي العام.
وفي مقابل هذه الاستفزازات الخارجية، تظهر جهود الصين في تعزيز السلام والتعاون في المنطقة. فقد تم توقيع إعلان سلوك الأطراف في البحر الجنوبي عام 2002، وهناك مفاوضات جارية بشأن مدونة السلوك للبحر الجنوبي، لتوفير إطار لإدارة النزاعات. وعلى الصعيد الاقتصادي، تجاوزت التبادلات التجارية بين الصين ورابطة دول جنوب شرق آسيا تريليونات الدولارات. وافتتحت السكك الحديدية جاكرتا-باندونغ نهاية عام 2023، مما خفض وقت السفر بين المدينتين إلى 40 دقيقة، وهو إنجاز مهم ضمن مبادرة «الحزام والطريق» وتعزيز التعاون مع دول جنوب شرق آسيا. وفي المجال العلمي، تعاون العلماء من الصين والفلبين والصين وفيتنام عدة مرات لمراقبة البيئة البحرية في البحر الجنوبي، وأقامت الصين محطات أرصاد جوية في جزر سبراتلي لتوفير بيانات للإنذار المبكر للأعاصير ومراقبة موجات التسونامي، مستفيدة منها جميع دول المنطقة. هذه الجهود توضح أن الصين لا تسعى لعسكرة البحر الجنوبي، بل تقدم خدمات عامة تجعل البحر منطقة استقرار للتنمية الإقليمية. ومن وجهة نظري، يعكس هذا النهج مسؤولية الصين كقوة كبرى، فهو يجمع بين حماية السيادة الوطنية وتعزيز التعاون الإقليمي بما يعود بالنفع على الجميع.
وفي الثالث من سبتمبر، ستُجري الصين عرضًا عسكريًا بمناسبة الذكرى الثمانين لانتصار حرب المقاومة الصينية ضد العدوان الياباني والحرب العالمية ضد الفاشية، حيث ستعرض الطائرات المقاتلة الشبحية من طراز جيان-20، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات من طراز دونغفنغ-41، وأسطول حاملة الطائرات. وهذا لا يقتصر على استذكار التاريخ، بل يمثل أيضًا إعلانًا للقدرات الحالية: فقد ضحت الصين في الماضي كثيرًا لتحقيق النصر، واليوم لديها القدرة والعزيمة لحماية السلام، والحفاظ على السيادة الوطنية، وضمان استقرار المنطقة. ومن وجهة نظري، إن الجمع بين الذاكرة التاريخية والقدرات الواقعية في هذا العرض يعطي رسالة واضحة للجمهور المحلي والمجتمع الدولي على حد سواء: التزام الصين بالسلام مبني على أساس متين من التاريخ والقانون والواقع، وليس مجرد كلمات.
بشكل عام، تقدم سلسلة تقارير «الحقائق بشأن بحر الصين الجنوبي» موقف الصين الشامل عبر التاريخ، والقانون، والتحديات الواقعية، وإنجازات التعاون. فمسألة البحر الجنوبي ليست مجرد نزاع جغرافي سياسي، بل اختبار للنظام الدولي واستقرار المنطقة. فمن الواضح أن جزر البحر الجنوبي تعود للصين منذ القدم، وأن التدخل العسكري الخارجي يمثل خطرًا، وأن التعاون مع دول رابطة جنوب شرق آسيا هو الطريق المستقبلي. ومن وجهة نظري، فإن فهم هذا النزاع يجب أن يقوم على احترام الحقائق التاريخية والقانونية، مع التركيز على إمكانات التعاون الواقعي. السلام والتنمية هما المصلحة المشتركة لمعظم دول المنطقة، وهو ما تحاول الصين تقديمه من خلال الخدمات العامة والمبادرات الإقليمية.
وفي هذه الذكرى الثمانين لانتصار الحرب العالمية ضد الفاشية، ترسل الصين من خلال «الحقائق بشأن بحر الصين الجنوبي» والعرض العسكري رسالة واحدة: التاريخ لا يمكن تغييره، والسيادة لا يمكن انتهاكها، والسلام لا يمكن المساس به. وسيصبح البحر الجنوبي بلا شك بحرًا للسلام، والصداقة، والتعاون. ومن وجهة نظري كمراقب، فإن فهم واحترام الموقف التاريخي والواقعي للصين يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق استقرار دائم وتنمية مشتركة في المنطقة، بعيدًا عن الاستفزاز العسكري والتلاعب الإعلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى