الأردن والصين: من طريق الحرير إلى شراكة تصنع المستقبل

اجنادين نيوز / ANN
الدكتور ليث عبدالله القهيوي
هناك لحظات في العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بما ينتج عنها من اتفاقيات أو مشاريع، وإنما بما تحمله من دلالات على اتجاه المستقبل. والزيارة المرتقبة لجلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، يجعل من العلاقة الأردنية الصينية أكثر من علاقة ثنائية؛ فهي جزء من سؤال أوسع يتعلق بموقع العالم العربي في التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، وبكيفية بناء شراكات قادرة على تحويل المصالح المشتركة إلى قوة تنموية وسياسية واقتصادية طويلة الأمد.
الصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية كبرى، والأردن ليس مجرد دولة تبحث عن فرص اقتصادية جديدة. كلاهما يتحرك في بيئة دولية تتغير قواعدها بسرعة، وتعيد فيها التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي تعريف مفهوم القوة ومصادر التأثير.
ومن هنا، فإن أهمية العلاقة الأردنية الصينية تكمن في إمكانية الانتقال بها من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ذات القيمة المضافة؛ شراكة لا تكتفي بتبادل السلع والاستثمارات، وإنما تبني جسورًا في المعرفة والتكنولوجيا والتعليم والصناعة واللوجستيات والطاقة والابتكار.
لقد كان طريق الحرير، تاريخيًا، أكثر من طريق للتجارة. كان مساحة للتفاعل بين الحضارات، وانتقالًا للأفكار والعلوم والخبرات إلى جانب السلع. واليوم، ومع مبادرة الحزام والطريق، يكتسب هذا الإرث التاريخي أبعادًا جديدة، لكن التحدي الحقيقي أمام الشراكة العربية الصينية هو ألا تتوقف عند البنية التحتية والممرات التجارية، بل أن تنتقل إلى طريق حرير جديد للمعرفة والتكنولوجيا والتنمية البشرية.
وهنا يمكن للأردن أن يكون جزءًا مهمًا من هذه الرؤية.
فالأردن لا يمتلك وفرة الموارد الطبيعية التي تمتلكها دول أخرى، لكنه يمتلك موردًا لا يقل أهمية في اقتصاد المستقبل: الإنسان. فقد راكم خلال عقود خبرات وكفاءات في التعليم والخدمات والهندسة والطب وتكنولوجيا المعلومات وريادة الأعمال، وأصبح الاستثمار في رأس المال البشري أحد أهم عناصر قدرته على المنافسة.
وهذا يفتح مجالًا مختلفًا للتعاون مع الصين. فبدل أن ينحصر التعاون في استيراد المنتجات أو تنفيذ المشاريع، يمكن بناء شراكات تنتج المعرفة نفسها: مراكز بحث وتطوير مشتركة، برامج جامعية وتكنولوجية، حاضنات أعمال، تدريب متقدم للشباب، تعاون في الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الطاقة المتجددة، إدارة المياه، والتقنيات المرتبطة بالمدن الذكية.
إن مثل هذا التحول سيجعل العلاقة أكثر عمقًا واستدامة، لأنه ينقلها من التعاون على المشاريع إلى التعاون على بناء القدرات.
وهذا مهم ليس للأردن وحده، بل للصين أيضًا. فالأردن يمتلك موقعًا جغرافيًا وسياسيًا يمكن أن يجعله نقطة تواصل بين المشرق العربي والخليج والأسواق الإقليمية، كما أن استقراره وعلاقاته المتوازنة وقدرته البشرية والمؤسسية تمنحه دورًا يتجاوز حجمه الاقتصادي.
وفي المقابل، تستطيع الصين أن تقدم للأردن خبرة واسعة في تطوير البنية التحتية، والتصنيع، والتكنولوجيا، والطاقة، والنقل، والتحول الرقمي، إلى جانب قدرتها على التفكير طويل المدى وتحويل الخطط الاستراتيجية إلى مشروعات واسعة النطاق.
لكن نجاح هذه الشراكة يتطلب أن نتجاوز مفهوم المصلحة المتبادلة بمعناه الضيق إلى مفهوم القيمة المشتركة.
فالمصلحة قد تنتهي بانتهاء المشروع، أما القيمة فتتراكم. والاستثمار الحقيقي ليس فقط ما يُبنى من طرق ومصانع وموانئ، بل ما يُبنى داخل الإنسان والمؤسسة والاقتصاد من قدرات تستمر لعقود.
وهنا أرى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تركز على خمسة مسارات رئيسية.
أولها: الاقتصاد والتجارة والاستثمار، من خلال توسيع الاستثمارات النوعية، وتعزيز نفاذ المنتجات والخدمات، وربط الشركات الأردنية بمسارات التجارة والاستثمار المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
وثانيها: التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، بحيث يصبح التعاون الأردني الصيني منصة لتطوير حلول في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والخدمات الحكومية والمدن الذكية.
وثالثها: رأس المال البشري، عبر بناء برامج واسعة للتعليم والتدريب ونقل المعرفة، لأن مستقبل العلاقات بين الدول سيقاس بصورة متزايدة بعدد العقول والمهارات التي تستطيع إنتاجها، وليس فقط بحجم التجارة التي تستطيع تحقيقها.
ورابعها: الطاقة والمياه والأمن الغذائي، وهي قطاعات تمثل تحديات استراتيجية للعالم العربي، ويمكن أن تشكل مجالات واسعة للتعاون في التكنولوجيا والحلول المستدامة.
أما المسار الخامس فهو التعاون الثقافي والحضاري. فالعلاقات التي تعيش طويلًا لا تُبنى فقط في غرف الاجتماعات الحكومية، وإنما في الجامعات ومراكز البحث والإعلام والمجتمع والشباب. وكلما ازداد الفهم المتبادل بين الشعبين العربي والصيني، أصبحت الشراكة أكثر قدرة على الاستمرار.
ولا ينبغي أن تُقرأ العلاقة الأردنية الصينية بمعزل عن المشهد العربي الأوسع. فالصين بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من العلاقات مع الدول العربية، وأصبحت شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا للمنطقة. وهذا يمنح الأردن فرصة لأن يكون جزءًا من منظومة أوسع للتعاون العربي الصيني، وليس فقط طرفًا في علاقة ثنائية.
ومن هنا، يمكن للأردن أن يسهم في بناء جسور بين التجارب العربية والصينية، وأن يكون مساحة للتعاون في المعرفة والتدريب والخدمات والتعليم والاقتصاد الرقمي، بما يعزز مكانته في شبكة العلاقات الآسيوية العربية.
لكن الأهمية السياسية للعلاقة لا تقل عن أهميتها الاقتصادية.
فالعالم يعيش مرحلة تتزايد فيها الاستقطابات، وتتعقد فيها الأزمات، وتتعرض فيها المؤسسات متعددة الأطراف لاختبارات متزايدة. وفي مثل هذا السياق، تحتاج الدول إلى شراكات تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الاصطفاف أو التبعية.
ويمتلك الأردن، بحكم موقعه وعلاقاته الدولية، قدرة على أن يكون صوتًا عربيًا داعمًا للحوار والتعاون، بينما تمتلك الصين حضورًا دوليًا متناميًا وقدرة متزايدة على الإسهام في القضايا الدولية. والتقاء الرؤيتين يمكن أن يفتح مساحة مهمة للتعاون في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز العمل متعدد الأطراف.
إن العالم العربي لا يحتاج إلى استبدال شراكة بشراكة، ولا إلى الدخول في محاور جديدة، بل يحتاج إلى تنويع شراكاته وتعظيم قدرته على الاختيار. والصين، من هذه الزاوية، ليست خيارًا ضد أحد، وإنما شريك يمكن أن يضيف إلى شبكة العلاقات الدولية العربية خيارات وفرصًا ومساحات جديدة للتعاون.
وهنا تكمن القيمة السياسية الأعمق للعلاقة الأردنية الصينية.
فالشراكات الذكية لا تقوم على السؤال: ماذا يمكن أن نحصل عليه اليوم؟ وإنما على سؤال أكثر أهمية: ماذا يمكن أن نبني معًا خلال العشرين عامًا القادمة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن ينتقل بالعلاقات الأردنية الصينية إلى مرحلة جديدة.
فطريق الحرير القديم ربط المدن والأسواق، ومبادرة الحزام والطريق وسعت شبكات الترابط والبنية التحتية، أما المرحلة القادمة فينبغي أن تبني طريقًا ثالثًا: طريقًا للمعرفة والابتكار والإنسان.
وعندما يصبح الطالب الأردني قادرًا على التعلم في الجامعات الصينية، والباحث الأردني قادرًا على العمل مع نظيره الصيني، والشركة الأردنية قادرة على الوصول إلى الأسواق الآسيوية، والمستثمر الصيني قادرًا على رؤية الأردن كبوابة إلى المنطقة، والمشروع المشترك قادرًا على إنتاج التكنولوجيا وليس فقط استهلاكها، عندها تتحول العلاقة من تعاون اقتصادي إلى شراكة استراتيجية حقيقية.
إن الزيارة الملكية المرتقبة إلى الصين يمكن أن تكون محطة مهمة في هذا المسار؛ ليس لأنها زيارة بين قيادتين فقط، وإنما لأنها تأتي في لحظة يحتاج فيها العالم العربي إلى إعادة التفكير في مفهوم الشراكات الدولية، ويحتاج فيها العالم إلى نماذج جديدة من التعاون تتجاوز الاستقطاب نحو التنمية المشتركة.
وفي النهاية، فإن العلاقات الأردنية الصينية تمتلك فرصة تتجاوز الحسابات الآنية. فالأردن يستطيع أن يقدم للصين شريكًا عربيًا يمتلك موقعًا استراتيجيًا، ورصيدًا بشريًا ومؤسسيًا، وقدرة على بناء جسور إقليمية. والصين تستطيع أن تقدم للأردن شريكًا يمتلك الخبرة والتكنولوجيا والقدرة الاستثمارية والرؤية بعيدة المدى.
لكن الفرصة وحدها لا تكفي.
فالفرص لا تتحول إلى إنجازات إلا عندما تتحول إلى رؤية، والرؤية لا تصبح واقعًا إلا عندما تتحول إلى مؤسسات ومشروعات وقدرات بشرية.
لقد كان طريق الحرير في الماضي طريقًا لعبور القوافل بين الشرق والغرب.
أما طريق الحرير الذي نحتاجه اليوم، فهو طريق تعبره الأفكار قبل البضائع، والمعرفة قبل رأس المال، والإنسان قبل المشروع.
ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة الأردنية الصينية لا ينبغي أن يُقاس فقط بما ستضيفه من أرقام إلى التجارة والاستثمار، وإنما بما ستضيفه إلى قدرة البلدين على صناعة المستقبل.
وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة للانتقال من سؤال «ماذا يمكن أن نتبادل؟» إلى السؤال الأكثر أهمية:
(ماذا يمكن أن نصنع معًا)
فالقرن الحادي والعشرون لن يكافئ الدول التي تكتفي بموقعها في طرق التجارة، بل تلك التي تستطيع أن تصبح جزءًا من صناعة المعرفة، وبناء الشراكات، وتشكيل المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى