في الذكرى المئوية لميلاد الرفيق فيديل كاسترو.. السؤال الذي لم يمت

اجنادين نيوز/ ANN
بقلم/ نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
اليوم، في الذكرى المئوية لميلاد الرفيق فيديل كاسترو، وجدت نفسي أتابع ما يكتبه الكتاب والمحللون والرفاق والأصدقاء وحتى خصوم الرجل. بعضهم يستعيد أخطاءه وإخفاقاته الاقتصادية، وبعضهم يعيد صورته كأيقونة للثورة. وبين هذا وذاك، وجدت نفسي أمام سؤال ظل يلحّ عليّ:
لماذا لا يزال كاسترو، بعد مئة عام على ميلاده، حاضراً بهذه القوة؟
ربما لأن القصة لم تنته بوفاته.
كانت كوبا جزيرة صغيرة، لكن موقعها جعلها قريبة جداً من القوة التي كانت تنظر إلى الكاريبي باعتباره مجالاً لنفوذها. وعندما جاءت الثورة عام 1959، لم يتغير الحاكم في هافانا فقط، بل تغيرت العلاقة بين الجزيرة وجارتها الكبرى.
كوبا قالت: نريد أن نقرر بأنفسنا.
وهنا بدأت القصة الحقيقية.
لم يكن الطريق سهلاً. بدأت الإصلاحات، وتوسعت الدولة في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وتأممت قطاعات اقتصادية، وأعلنت الثورة توجهها الاشتراكي.
وفي الجهة الأخرى كانت واشنطن تراقب.
ثم جاءت المواجهة.
حصار اقتصادي، ضغوط سياسية، ومحاولة غزو خليج الخنازير عام 1961. ومع كل جولة كان السؤال يعود من جديد: هل ستتراجع كوبا؟
لم تتراجع.
اختارت التحالف مع الاتحاد السوفياتي، ودخلت كوبا في قلب الحرب الباردة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي لم تسقط التجربة كما توقع كثيرون، بل دخلت سنوات قاسية من العزلة والأزمة الاقتصادية، وبقي كاسترو متمسكاً بخياره.
هنا، بالنسبة لي، لا يعود كاسترو مجرد رجل.
يصبح ظاهرة.
يمكن أن نختلف معه، وهذا طبيعي. يمكن أن ننتقد التضييق على الحريات، والجمود السياسي، والأزمة الاقتصادية. ويمكن أن نستمع إلى الكوبي الذي غادر بلاده بحثاً عن حياة أفضل.
لكن لا يمكن أن نتجاهل السؤال الذي طرحته كوبا على العالم: هل تستطيع دولة صغيرة أن تقول لا للقوة الأكبر، ثم تتحمل ثمن هذه الـ«لا»؟
وهنا، كلما فكرت في كوبا، وجدتني أتذكر الصين.
الصين لم تسلك طريق كوبا. لم تدخل في عزلة اقتصادية طويلة، بل فتحت أبواب اقتصادها للعالم، واستفادت من السوق والتجارة والاستثمار، لكنها في الوقت نفسه تمسكت بقرارها السياسي وبطريقها الخاص.
كوبا اختارت المواجهة.
الصين اختارت التكيف.
اختلفت الوسيلة، لكن الفكرة بقيت قريبة: لا تريدان أن تكونا دولتين تابعتين.
وهذا ما يجعل المقارنة مثيرة للاهتمام.
ليس المطلوب أن نضع الصين وكوبا في قالب واحد، فالتاريخ والظروف مختلفان. لكن التجربتين تطرحان سؤالاً واحداً: كيف تحافظ الدولة على استقلال قرارها وهي تعيش في عالم تتحكم فيه قوى كبرى؟
ومن هنا تصل الحكاية إلى فلسطين.
عندما أنظر إلى الموقف الكوبي من القضية الفلسطينية، وإلى تاريخ دعم كوبا لحركات التحرر، وإرسالها الأطباء والخبراء والقوات إلى إفريقيا في مراحل مختلفة، أفهم لماذا بقي اسم كاسترو مرتبطاً لدى كثيرين بفكرة التحرر خارج حدود الجزيرة.
لكنني لا أريد أن أحول الرجل إلى أسطورة بلا أخطاء.
التاريخ لا يحتاج إلى القديسين.
يحتاج إلى أسئلة صعبة.
وهذا هو السؤال الذي بقي معي:
لو أن كوبا قبلت منذ البداية أن تسير وفق الطريق الذي أرادته واشنطن، هل كانت ستصبح سنغافورة في الكاريبي، أم مجرد جمهورية موز أخرى؟
لا نملك الإجابة.
وربما لن نملكها أبداً.
لكننا نعرف شيئاً واحداً: الدول التي تفقد قرارها، يكتب الآخرون جزءاً كبيراً من مستقبلها.
لهذا لا أحتفي في الذكرى المئوية بكاسترو الرجل فقط.
أستعيد القصة.
قصة جزيرة صغيرة قالت «لا».
وقصة دولة دفعت ثمناً قاسياً لأنها أرادت أن تختار طريقها.
وقصة الصين التي اختارت طريقاً مختلفاً، ففتحت اقتصادها على العالم وبنت قوتها دون أن تتخلى عن قرارها.
ثم قصة فلسطين، التي ما زالت تبحث عن اليوم الذي يصبح فيه القرار بيد أصحاب الأرض.
من كوبا إلى الصين إلى غزة، تتغير الأماكن والأزمنة، لكن السؤال لا يتغير:
من يملك حق كتابة المستقبل؟
أنا لا أرى في ذلك تمجيداً للثورة.
أراه دفاعاً عن حق الشعوب في أن تختار طريقها.
كاسترو، أيها الرفيق المخلص والشجاع، لك المجد والفخر للأبد.



