هرمز … لعبة الضغط التي تدفع أثمانها الشعوب

اجنادين نيوز / ANN
بقلم نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

منذ اللحظة الأولى التي اندلعت فيها أزمة مضيق هرمز، وأنا أتابع تطوراتها بشغف وقلق. في البداية، بدت لي مجرد صراع مثلث بين واشنطن وطهران وتل أبيب، لكن مع مرور الوقت، تبين لي أن الصورة أكبر بكثير. هذا الممر المائي ليس مجرد ساحة مواجهة إقليمية، بل هو شريان حياة للاقتصاد العالمي، يرتبط بإمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وتتشابك فيه مصالح دول لا حصر لها.

إيران تدرك جيداً أن إغلاق المضيق بشكل كامل ليس ضرورياً لإحداث الضرر. يكفي أن تنتشر حالة من الترقب والخوف بين شركات الشحن، لترتفع أقساط التأمين، وتتجه السفن إلى طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة. هذه الزيادة في الزمن والوقود تنعكس في النهاية على المستهلك العادي، الذي لا يعلم شيئاً عن سياسات المضيق، لكنه يدفع ثمنها عند شراء الوقود أو الغذاء.

الولايات المتحدة تملك القوة العسكرية الأكبر في العالم، ومع ذلك، لم تستطع حسم أزمة هرمز. هذا التناقض يثير تساؤلاً أعمق: هل ما نراه مجرد عجز مؤقت، أم بداية تراجع حقيقي للهيمنة الأمريكية؟ الإجابة بدأت تتكشف عبر موقف الحلفاء. عندما تقدمت واشنطن بطلبها لتشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة في مضيق هرمز، قوبل الطلب ببرود شديد ورفض من غالبية حلفائها في أوروبا وآسيا. فالمستشارة الألمانية أكدت أن الأمر “ليس من شأن حلف الناتو”، ووصفه مسؤولون آخرون بأنه “ليس حرب أوروبا”. هذا التباعد يعكس تصدعاً عميقاً في العلاقات عبر الأطلسي، ويدفع باتجاه استقلالية أوروبية استراتيجية أكبر.

الأمر لم يتوقف عند أوروبا. ففي قلب المنطقة، أدركت دول الخليج أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد كافية، فجاء الرد عملياً بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة، وهي نقلة نوعية تظهر رغبة في بناء إطار أمني إقليمي مستقل عن الولايات المتحدة. إخفاق أمريكا في حسم معركة هرمز، ورفض حلفائها المشاركة فيها، ثم قيام هؤلاء الحلفاء بتشكيل تحالفات بديلة، كلها مؤشرات على أن النظام الأمني الذي قادته واشنطن لعقود أصبح متهالكاً. المنطقة تتجه نحو “مرحلة ما بعد أمريكا”، حيث سيكون للقوى الإقليمية رأي أكبر. وهنا يكمن جوهر الأزمة: لم تعد المشكلة فقط في عدم القدرة على إجبار إيران، بل في عدم القدرة على إقناع الحلفاء بالوقوف إلى جانبها.

الأزمة لا تتوقف عند هرمز، بل تمتد إلى البحر الأحمر حيث دخل الحوثيون كعنصر فاعل إلى جانب إيران. السفن التي كانت تعبر باب المندب أصبحت تفضل الالتفاف حول أفريقيا، مما يرفع التكاليف ويطيل المدة الزمنية للشحن. هذا المشهد يذكرنا في اليمن بمعاناة ارتفاع الأسعار وانقطاع الطرق، فنعرف جيداً كيف تتحول الأزمات البحرية إلى أزمات معيشية داخل البيوت.

من جهتها، الصين ليست بمنأى عن هذه التطورات. مصالحها الحيوية في الخليج وحاجتها المستمرة للطاقة تجعل منها طرفاً معنيّاً مباشراً. لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو النهج الصيني في التعامل مع الأزمات، فرغم الثقل الاقتصادي، اختارت بكين طريق الحوار كما أثبتت في التقارب السعودي-الإيراني. هذا النموذج الدبلوماسي يفتح الباب أمام حلول سلمية قد تكون غائبة في ظل المنطق العسكري. أمام الصين فرصة لتقديم نفسها ليس كقوة اقتصادية فقط، بل كلاعب سياسي هادئ يسهم في تهدئة التوتر وفتح قنوات الحوار. وهذا ما يحتاجه الإقليم اليوم: أصوات لا صوت المدافع، ورؤية تضع التعاون بديلاً عن الصراع.

ما يجعل مضيق هرمز “مصيدة ناعمة” هو تراكمية الأزمة. ليست معركة واحدة تحسم الفصل، بل سلسلة من الاحتكاكات الصغيرة التي تخلق واقعاً جديداً: تأمين أغلى، طرق أطول، وسفن تتردد في الإبحار. كل هذا يتحول في النهاية إلى عبء على المواطن البسيط الذي لا ناقة له ولا جمل في الصراعات الدولية.

لا أدعي امتلاك إجابة قاطعة عن مستقبل هرمز، لكن ما أعرفه يقيناً أن استمرار الصراع يزيد الكلفة على الجميع. المنطقة اليوم بحاجة إلى وعي جديد يدرك أن هذه الممرات المائية يمكن أن تكون جسوراً للتعاون لا ساحات للحروب. السؤال المفتوح يبقى: هل ستظل هرمز ورقة ضغط بيد القوى الكبرى، أم ستصبح اختباراً حقيقياً لقدرة أمريكا على إدارة الأزمات، وفرصة للصين للعب دور سياسي أوسع؟

أنا كمواطن عربي ويمني، أرى أن ما يجري في هرمز أقرب إلينا مما نتصور. البحر قد يكون حاجزاً جغرافياً، لكن تداعياته تصل إلى بيوتنا، وتلامس حياتنا اليومية. أشعر أن هذه الأزمة ليست مجرد خبر عابر نقرأه في الصحف، بل هي جزء من واقعنا المعاش، تؤثر في أسعار الوقود والغذاء والنقل، وتزيد من معاناة الناس الذين لا علاقة لهم بقرارات الحرب والسلام. وكلما طال أمد الصراع، زادت الكلفة على الجميع، وزاد شعوري بأن الحل لن يأتي من مدافع السفن الحربية، بل من طاولات الحوار التي تجمع الخصوم وتفتح أمامهم أبواباً كانوا يظنونها مغلقة. فهل يدرك صناع القرار في واشنطن وطهران وبكين أن الشعوب هي التي تدفع الفاتورة في النهاية، وأن الوقت قد حان لوقف هذه اللعبة الخطيرة قبل أن تخرج عن السيطرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى