إذا غادر آخر مقدسي… فمن سيحرس القدس؟

اجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر.
لنتخيل، للحظة فقط، أن آخر عائلة فلسطينية أغلقت باب منزلها في القدس وغادرت.
هل ستعيدها بيانات الشجب؟
هل ستعيدها القمم العربية؟
هل ستعيدها قرارات الأمم المتحدة؟
هل ستعيدها خطابات السياسيين؟
الجواب المؤلم: لا.
لذلك، فإن أخطر سؤال يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس: كيف نحمي القدس؟ بل: من يحمي الإنسان الذي يحمي القدس؟
لقد اعتدنا أن ننظر إلى القدس باعتبارها مدينةً مقدسة، ورمزاً وطنياً، وعنواناً للصراع. لكننا، في خضم هذا الخطاب، نسينا الحقيقة الأكثر وضوحاً: المدن لا يحرسها الحجر، بل البشر. والقدس لم تبقَ فلسطينية لأن العالم كان عادلاً، ولا لأن القرارات الدولية أنصفتها، بل لأن آلاف المقدسيين قرروا، كل يوم، أن البقاء في مدينتهم ليس خياراً شخصياً، بل واجباً وطنياً.
لقد أدركت إسرائيل منذ احتلال القدس أن تغيير هوية المدينة لا يبدأ بإزالة حجارة أو تغيير أسماء الشوارع، بل يبدأ بإضعاف الإنسان. لذلك جاءت سياسات الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والتضييق على البناء، والضرائب، والضغوط الاقتصادية، ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي، ضمن رؤية واحدة: أن يغادر الفلسطيني مدينته بإرادته أو تحت وطأة الظروف.
لكن هذا الرهان لم يتحقق كما خُطط له.
لأن المقدسي لم يتعامل مع منزله بوصفه عقاراً، بل بوصفه جزءاً من هويته. والتاجر الذي يفتح متجره في البلدة القديمة لا يحافظ على مصدر رزقه فقط، بل يحافظ على نبض المدينة. والطالب الذي يذهب إلى مدرسته، والمرأة التي تتمسك ببيتها، والعائلة التي ترفض الرحيل، جميعهم يمارسون شكلاً من أشكال الصمود المدني الذي أثبت، عبر العقود، أنه أحد أهم أسباب بقاء القدس فلسطينية.
غير أن هناك سؤالاً لا يقل أهمية عن كل ما سبق:
ماذا فعلنا نحن لهؤلاء؟
لقد اعتدنا الاحتفاء بصمود المقدسيين، حتى أصبح صمودهم أمراً نفترض أنه سيستمر إلى الأبد، وكأنه مورد لا ينضب. لكن الحقيقة أن الصمود يحتاج إلى مقومات؛ إلى اقتصاد يحميه، وإلى قانون يدافع عنه، وإلى تعليم يعززه، وإلى مؤسسات تستثمر فيه، وإلى مشروع وطني يجعل بقاء المقدسي في مدينته مسؤولية جماعية، لا عبئاً فردياً.
ليس من الإنصاف أن يواجه أهل القدس وحدهم كلفة الدفاع عن هوية فلسطين، بينما يكتفي الآخرون بالتضامن الموسمي، أو بالشعارات، أو بانتظار مناسبة جديدة للحديث عن المدينة.
إن تحويل القدس إلى رمز مجرد، من دون تحويل دعم أهلها إلى سياسة وطنية دائمة، يفرغ الخطاب الوطني من مضمونه.
فالقدس لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الأفعال.
تحتاج إلى صندوق وطني مستدام لدعم صمود أهلها، وإلى استثمارات تعزز بقاءهم، وإلى حماية قانونية للعائلات المهددة بفقدان منازلها، وإلى برامج تعليمية وثقافية تحافظ على هويتها العربية، وإلى شراكة حقيقية بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، تجعل من حماية الإنسان المقدسي أولوية وطنية لا موسماً سياسياً.
لقد علمتنا القدس درساً ينبغي ألا ننساه.
فالاحتلال قد يفرض سيطرته على الأرض، لكنه لا يستطيع أن يمتلك المدينة ما دام أهلها يتمسكون بها. وهذا ليس درساً يخص القدس وحدها، بل هو درس للمشروع الوطني الفلسطيني بأكمله: الأرض تستمد معناها من الإنسان الذي يتمسك بها، لا العكس.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطارد كل فلسطيني، وكل عربي، ليس:
هل ستبقى القدس فلسطينية؟
بل:
هل سنبقى أوفياء لأولئك الذين جعلوا القدس تبقى فلسطينية حتى اليوم؟
فالتاريخ لن يكتب كم مؤتمراً عقدناه من أجل القدس، ولا كم بياناً أصدرناه باسمها.
سيكتب شيئاً واحداً فقط:
هل وقفنا إلى جانب من وقفوا وحدهم في وجه مشروع أراد أن يقتلعهم من مدينتهم؟
لأن القدس، في نهاية المطاف، لا يحرسها سورها، ولا حجارتها، ولا قداستها وحدها.
القدس يحرسها الإنسان الفلسطيني… وأول الطريق إلى حماية القدس أن نتوقف عن مطالبة أهلها بالصمود وحدهم، وأن نجعل صمودهم مشروعاً وطنياً يتقاسمه الجميع.
م. غسان جابر – الخليل




