التداخل ما بين الشعر والنثر

أجنادين نيوز / ANN
الشاعر والكاتب علاء المرقب
المقارنة هي تفضيل بين شيئين باستعراض حسناتهما وسيئاتهما، إيجابياتهما وسلبياتهما لأجل التقييم أو الاختيار، ومن شروطها أن يكونا من الصنف أو الجنس نفسه، أي بمثال للتقريب: يمكننا المقارنة بين لاعبين، والأجدى أنهما يلعبان في ذات المركز، أو على الأقل كلاهما يلعبان نفس الرياضة، كأن تكون كرة قدم، لا أن نقارن بين لاعب كرة سلة مع لاعب تنس، أو لاعب كرة قدم أو كرة طائرة فذلك ما لا يصح قطعاً.
ما سبق تقريب من أجل أمر ٱخر، ألا وهو المقارنات الأدبية، كتفضيل ناقد على روائي مثلاً، أو عقد مقارنة بين شاعر وقاص، فلكل منهما مضماره وجنسه الأدبي. كذلك يعد ذلك مثالاً لتقريب الفكرة التي أريد طرحها ألا وهي التداخل القسري الحاصل الٱن ما بين الشعر والنثر، وهذا تداخل مفتعل، كون النثر ليس وليداً جديدا ليتم تصنيفه متأخراً أو ضمه للشعر بل هو رقعة أدبية لها مضمارها الذي لا يقل عن مضمار الشعر، وإذا ماعدنا إليهما تاريخياً، فالشعر هو الجنس الذي يكتب بوزن وقافية وقد عرف عنه ذلك منذ العصر الجاهلي أي تجاوز خمس عشرة قرناً وهو العمر التقريبي للنثر أيضاً، بل ويعد النثر أوسع وأكثر أغراضاً من الشعر، ولكل منهما ناسه ومعتنقيه والمشتغلين به، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى أوقات متأخرة من القرن الماضي حينما بدأ البعض بإطلاق مسمى قصيدة النثر على النص النثري القصير، ومن ثم بدأت تصنّف ك شعر رغم معارضة أمناء الشعر ومؤرخوه، بل وحتى متذوقيه، الذين رفضوا إطلاق مفردة قصيدة على غير الشعر ذي الشطرين المحكوم بقواعد تسمى البحور. التاريخ الأدبي يقف حتماً مع هذا التصنيف، فتبقى لكلمة قصيدة تصنيفها الذي تدل عليه، وهو الشعر. إضافة إلى أن النثر لا يخضع إلى قانون يصنفه، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال وضع ذلك القانون، كونه غير محكوم بقاعدة مما يجعله خاضعاً للأهواء والرؤى الخاصة التي قد تصل إلى المزاجية أو الانحياز، فيما لا سلطة على تلك الاراء أيضا ولا يمكن التصدي لها، فالباب مفتوح على مصراعيه للتأويل والاجتراح.
فيما يبدو أن رونق الشعر وجماليته من حيث البناء الفني وموسيقاه جعلته الأميز والأبرز بين الفنون والتصنيفات الأدبية، ثم أن له من يهتم به ويتابعه بل ويعشقه، جعلت من باقي أجناس الأدب والنثر خصوصاً تود الوقوف تحت تلك المظلة والانخراط في مسماها، ولا حكمة من هذا النزوح الكبير الذي تجاوز عدده عدد أهل الشعر، إلا فخامة الشعر وقبوله، بينما البقاء على كتابة النثر من باب الاستسهال، أضافة لصعوبة أتقان البحور والكتابة عليها بعد تراجع اللغة العربية بشكل عام في المجتمعات الأدبية، لذا فإن ما أراه سبباً لهذا اللغط هو مكانة الشعر ومقامه أولاً مقابل النثر، وسهولة ثم استسهال كتابة النثر ثانياً، لذا مجرد الانتقال من هذا الجنس الى الجنس الاخر يضمن التسمية الأميز، مقابل الابتعاد عن قوانين العروض.
تحدثت فيما سبق عن وجهة نظر مدعومة تاريخياً إضافة للأسباب الظاهرة، رغم أن لي عشر مجموعات نثرية، ولكني أبديت هذا الرأي فكاً للالتباس من وجهة نظري، بأمانة اعتقادي منصفاً غير موارب، لذا علينا القول بملئ الفم بلا محاباة أو مواربة أن أي مقارنة بين الشعر والنثر هي أمر غير مجد، فلكل منهما مضمارة وأسسه وأهله، ولبيق النثر نثراً بما له وما عليه، والشعر شعراً بما له وما عليه، لا مدحاً بهذا ولا انتقاصاً بذاك، والعمل الجميل يفرض نفسه، والمتلقي هو الحكم.




