من يربح المستقبل؟ حين تغيّر العالم… وبقيت عقولنا في القرن الماضي

أجنادين نيوز / ANN
بقلم: المهندس غسان جابر – رئيس فرع فلسطين للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين، القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
في كل حرب، ينشغل العالم بالسؤال نفسه: من انتصر؟
تتجه الأنظار إلى عدد الصواريخ، وحجم الدمار، ومساحة الأرض التي تغيرت عليها خطوط السيطرة. ويُختزل المشهد كله في ميزان عسكري يحدد الرابح والخاسر.
لكن التاريخ لا يكتبه هذا السؤال.
فبعد أن تصمت المدافع، ويغادر الجنود ساحات القتال، يبدأ سؤال آخر أكثر عمقًا: من ربح المستقبل؟
هنا فقط يبدأ فهم ما جرى.
لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الانتصار العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، وأن القوة المسلحة، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها بناء نظام دولي أو اقتصاد مزدهر أو شراكات مستدامة. فكم من إمبراطورية انتصرت في الحروب، لكنها خسرت السلام، وكم من دول لم تكن الأكثر قوة عسكريًا، لكنها أصبحت الأكثر تأثيرًا لأنها فهمت مبكرًا أن المستقبل يُبنى بأدوات مختلفة.
ولهذا، فإن العالم لا يعيش اليوم مجرد تغير في موازين القوى، بل يعيش تحولًا في مفهوم القوة نفسه.
في القرن العشرين، كانت الدولة العظمى تُقاس بعدد الدبابات والطائرات وحاملات الطائرات. أما اليوم، فأصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد، وامتلاك الموانئ والممرات التجارية، وجذب الاستثمارات، وبناء الثقة مع شركائها.
لقد انتقل العالم من عصر القوة المنفردة إلى عصر القوة الشاملة.
ولعل هذا ما يفسر كثيرًا من التحولات التي نشهدها اليوم.
فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية والسياسية الأكثر حضورًا في النظام الدولي، وتمتلك شبكة واسعة من التحالفات تجعلها لاعبًا لا غنى عنه في كثير من الأزمات الدولية.
وفي المقابل، اختارت الصين طريقًا مختلفًا نحو تعزيز علاقاتها مع دول العالم ورسمت معالم هذا الطريق بالإنسانية والاحترام . لم يكن هدفها التوسع العسكري، بل على بناء الاقتصاد، والصناعة، والتكنولوجيا، والاستثمار، والتجارة، وربط القارات بالموانئ والسكك الحديدية والممرات الاقتصادية. ومن خلال هذا النهج أصبحت شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لعدد كبير من الدول، بما فيها دول الشرق الأوسط.
ولم يكن الدور الصيني في رعاية التقارب بين السعودية وإيران سوى مثال على أن الدبلوماسية المدعومة بالمصالح الاقتصادية يمكن أن تصبح أداة مؤثرة في عالم يبحث عن الاستقرار بقدر ما يبحث عن القوة.
إن المقارنة هنا ليست بين دولة “أفضل” وأخرى “أسوأ”، ولا بين شرق وغرب، بل بين أدوات مختلفة .
فالولايات المتحدة ما تزال تتفوق في مجالات عديدة، كما أن الصين حققت تقدمًا لافتًا في مجالات أخرى. والحقيقة الأهم أن العالم لم يعد يسمح لدولة واحدة بالاعتماد على أداة واحدة.
إن القرن الحادي والعشرين لا تكسبه الجيوش وحدها.
تكسبه الجامعات.
وتكسبه المختبرات.
وتكسبه الشركات المبتكرة.
وتكسبه الموانئ التي تربط القارات.
وتكسبه العقول القادرة على تحويل المعرفة إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى تعاون، والتعاون إلى استقرار.
ولهذا لم يعد السباق الحقيقي يدور حول من يمتلك أكبر ترسانة عسكرية فحسب، بل حول من يقود ثورة الذكاء الاصطناعي، ومن ينتج الرقائق الإلكترونية، ومن يطور الطاقة النظيفة، ومن يصنع سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها العالم.
أما بالنسبة لنا، كعرب وفلسطينيين، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نقرأ العالم بعقلية الأمس. فقضايانا الوطنية لا تنفصل عن التحولات الدولية، ولا يمكن الدفاع عن حقوقنا بالاكتفاء بقراءة موازين القوة العسكرية فقط، بينما يتغير العالم من حولنا بسرعة غير مسبوقة.
إن الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والبحث العلمي، والاقتصاد، والدبلوماسية، لم يعد خيارًا تنمويًا فحسب، بل أصبح جزءًا من مفهوم الأمن الوطني والقوة الوطنية.
لقد تغير العالم…
لكن كثيرًا من عقولنا ما زالت تبحث عن إجابات جديدة بأسئلة قديمة.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد عقود لن يكون: من أطلق أول صاروخ؟ ولا من ربح آخر معركة؟
بل سيكون:
من أدرك أولًا أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في القدرة على الانتصار في الحرب، بل في القدرة على بناء السلام، وصناعة المعرفة، وقيادة الاقتصاد، وتحويل المنافسة إلى تعاون، والأزمات إلى فرص؟
فالحروب قد تصنع انتصارات مؤقتة…
أما المستقبل، فلا يربحه إلا الذين يمتلكون رؤية تتجاوز ساحة المعركة، ويؤمنون بأن أعظم قوة يمكن أن تمتلكها الأمم ليست السلاح وحده، بل الإنسان القادر على الإبداع، والعلم الذي يفتح آفاقًا جديدة، والاقتصاد الذي يبني الشراكات، والدبلوماسية التي تحول الاختلاف إلى فرصة للتقدم.
فالجنرالات قد يحسمون المعارك… أما الأمم، فلا تربح المستقبل إلا عندما تنتصر في ميادين العلم، والاقتصاد، والإنسان.
م. غسان جابر – فلسطين



