من ديمقراطية الإمبريالية إلى ديمقراطية التنمية: الصين تعيد صياغة مفهوم القوة العالمية

أجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين

في عالمٍ تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم الكبرى وفق موازين القوة لا وفق المبادئ وحدها، يظل سؤال الديمقراطية واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية وإيلامًا في آنٍ واحد: هل هي حقٌّ متساوٍ للشعوب؟ أم أنها مفهوم يُستخدم بانتقائية داخل نظام عالمي غير متكافئ؟
تُقدَّم الديمقراطية الليبرالية الغربية بوصفها النموذج الأعلى، القائم على الانتخابات والتعددية وحرية التعبير. غير أن هذا الشكل السياسي، رغم جاذبيته، لا يعكس دائمًا اكتمال السيادة الشعبية، إذ يبقى المجال الاقتصادي في كثير من الحالات خارج دائرة القرار المباشر للمجتمع، محكومًا بقوى السوق الكبرى والمؤسسات المالية العابرة للحدود. وهنا تتشكل مفارقة عميقة: حرية سياسية واسعة في مقابل محدودية التأثير في القرار الاقتصادي.
وفي دول الأطراف، تتخذ هذه المفارقة طابعًا أكثر حدة؛ إذ تُمارس السياسة ضمن حدود انتخابية، بينما يُعاد إنتاج الواقع الاقتصادي في إطار نظام عالمي لا يترك هامشًا واسعًا لتغيير موقع الدولة في التقسيم الدولي للعمل. وبين صندوق الاقتراع وسوق المال، تتحدد ملامح الحياة اليومية للشعوب، وتضيق مساحة القرار السيادي الحقيقي.
وسط هذا المشهد، برزت تجارب مختلفة حاولت إعادة ربط السياسة بالاقتصاد، والدولة بالتنمية، والتخطيط بالسيادة. غير أن هذه المسارات ظلت تواجه دائمًا سؤال التوازن بين الاستقرار والمشاركة، وبين الفاعلية والتمثيل.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة الصين كنموذج عالمي مختلف، استطاع أن يفرض حضوره بقوة في معادلات الاقتصاد الدولي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. فقد اعتمدت الصين نموذج “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”، الذي يجمع بين قيادة سياسية مركزية قوية واقتصاد سوق موجّه، يُستخدم كأداة لخدمة أهداف التنمية الوطنية طويلة المدى.
هذا النموذج لم يكن اقتصاديًا فقط، بل مثّل تحولًا في فلسفة الدولة نفسها؛ حيث أصبحت التنمية الشاملة، والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في البنية التحتية والإنسان، عناصر مركزية في مشروع وطني واسع النطاق.
وقد انعكس هذا المسار في إنجازات كبرى، من أبرزها:
إخراج مئات الملايين من الفقر خلال عقود قليلة
بناء واحدة من أضخم البنى التحتية في العالم
التحول إلى قوة صناعية وتكنولوجية متقدمة
تعزيز الحضور في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية
ورغم هذه التحولات، لم تكتفِ الصين بالنجاح الداخلي، بل تبنّت سياسة خارجية تقوم على التعاون الاقتصادي ومشاريع التنمية المشتركة، مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما عزز حضورها في مناطق واسعة من العالم، خصوصًا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
إن ما يميز التجربة الصينية ليس فقط حجم الإنجاز، بل قدرتها على تقديم نموذج بديل في فهم القوة: قوة لا تقوم على الهيمنة المباشرة، بل على التنمية، والإنتاج، وبناء الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد.
ومن هنا، تعيد الصين اليوم صياغة مفهوم القوة العالمية، من قوة تستند إلى السيطرة السياسية والعسكرية، إلى قوة تقوم على الاقتصاد والتنمية والتأثير البنيوي في النظام الدولي.
وفي النهاية، وبين النموذج الليبرالي الذي يفصل السياسة عن الاقتصاد، والنماذج التي تركز على الدولة والتنمية، تبقى الإشكالية الأساسية قائمة: كيف يمكن بناء نموذج يحقق التوازن بين السيادة الاقتصادية، والمشاركة السياسية، والعدالة الاجتماعية في عالم لم يستقر بعد على تعريف واحد للديمقراطية؟
لكن المؤكد أن التجربة الصينية أصبحت اليوم أحد أهم النماذج التي أعادت فتح النقاش العالمي حول معنى التنمية، وحدود الديمقراطية، وإمكانية بناء مسارات بديلة في النظام الدولي المعاصر.

زر الذهاب إلى الأعلى