شيوخ بلا عشائر

ظاهرة الألقاب المعلّبة في زمن التزييف
اجنادين نيوز / ANN
كتب / حسين حاجم النواصر
في السنوات الأخيرة، برزت على الساحة الاجتماعية ظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدّية وهي ظهور فئة تدّعي المشيخة دون سندٍ عشائريٍ حقيقي مكتفيةً بالمظهر الخارجي واللقب الرنّان.
فترى أحدهم يرتدي الزي العشائري بأناقةٍ لافتة ويتقدّم المجالس بصفة ( الشيخ ) غير أنّه حين يُسأل عن امتداده الاجتماعي لا يجد السائل إلا إجاباتٍ عامة أو رواياتٍ فضفاضة لا تقوم على أساسٍ متين.
إنّ المشيخة في المفهوم العشائري الأصيل ليست لقباً يُرتدى ولا زياً يُلبس بل هي مسؤولية تاريخية متجذّرة في عمق النسب وممتدة عبر أجيالٍ من القيادة والخدمة والتضحية فالشيخ الحقيقي هو من أقرّته عشيرته قبل أن يُقرّ نفسه وارتضته جماعته لما فيه من حكمةٍ ورجاحة رأي وسجلٍ حافلٍ في الإصلاح وفضّ النزاعات وحفظ الأعراف والتقاليد.
أما هذه الفئة المستحدثة فهي في كثير من الأحيان تعتمد على ادعاءاتٍ مبنية على الجدّ الثالث أو الرابع أو تنتحل صفة الانتماء إلى قبيلةٍ كبيرة دون أن يكون لها فيها بيتُ رئاسةٍ أو حضورٌ فعلي فتراه يقول: “( نا شيخ القبيلة الفلانية ) بينما لا يعرفه أهل تلك القبيلة ولا يعترفون له بمقامٍ أو دور.
وهنا تكمن خطورة هذه الظاهرة إذ إنها لا تقتصر على التزييف الشكلي بل تمتد لتشويه البنية العشائرية وخلق فوضى في مرجعيات القرار الاجتماعي مما يؤدي إلى إضعاف هيبة المشيخة الحقيقية وفتح الباب أمام من يسعى للمصالح الشخصية تحت غطاءٍ عشائريٍ زائف.
إنّ المشيخة ليست مشروعاً وهمياً ولا سلعةً تُصنّع في مجالس التصوير والمناسبات بل هي إرثٌ متوارث ومقامٌ يُبنى عبر الزمن ويُثبت بالفعل لا بالادعاء. ومن المؤسف أن تتحوّل في نظر البعض إلى وسيلةٍ للوجاهة أو بابٍ للمكاسب بعيداً عن جوهرها القائم على خدمة الناس وصون الكرامة.
وفي المقابل تبقى العشائر العراقية الأصيلة حصناً منيعاً في وجه هذا التزييف إذ إنّ أبناءها يدركون جيداً من هو شيخهم ويعرفون بيوتهم الرئاسية ويميّزون بين من نشأ في مضيف العشيرة ومن نشأ في وهم اللقب.
ختاماً فإنّ المسؤولية تقع على عاتق الجميع من وجهاء ومثقفين وباحثين في توعية المجتمع والحفاظ على نقاء الموروث العشائري وعدم الانجرار خلف المظاهر الخادعة فالمشيخة الحقيقية تُثبتها الأفعال ويشهد لها التاريخ وتُقرّها الجماعة وما عدا ذلك ليس إلا صدىً في ذاكرة صاحبه لا وزن له في ميزان العشيرة.




