تشرينيون أبداً ولائيون أبداً | |

اجنادين نيوز / ANN

✍️ / احمد عبد الحسين

يكثر غمز ولمز ولوم أصدقاء كانوا نشطين في انتفاضة تشرين وفي الاحتجاجات التي سبقتها. يلامون لأنهم اليوم متعاطفون أو مساندون لإيران في تصدّيها لاعتداء البرتقالي والأزرق. يقال لهم: أصبحتم ولائية ذيولاً، في استعادة قبيحة لحرب التسميات ـ الوصمات “ولائي ذيل ـ جوكر ابن سفارة” التي هي كلها نتاج خفة عقل وقلة فهم وبدائية لا علاقة لها لا بالسياسة ولا بالاحتجاج ولا بالأخلاق طبعاً.

أسأل:
لمَ لا يستطيع الإنسان الفصل بين موقفين في مشهدين مختلفين؟

فهذا مشهد:
نشاط احتجاجيّ وقفتْ فيه إيران ضدّك لأسباب معروفة وكان عليك أنت أن تقف ضدّها. ووقفنا فعلاً ضدّ تحيزها لأنها أخطأتْ خطأً جسيماً في التعاطي مع الحراك الشعبي العراقي وأسهمتْ في شيطنته وقمعه، ولأنها عوّلتْ على فاسدين في أن يكونوا لسانها الناطق في العراق وممثليها وعصاها الغليظة. إيران أخطأتْ في العراق وسوريا أخطاء جسيمة.. لكنّ لهذا حديثاً آخر.

وهذا مشهد آخر:
حرب ظالمة قبيحة تدميرية يراد منها تشكيل نظام إقليمي “وربما عالميّ” سيعود وبالاً على وطنك في آخر الأمر. نظام كانت بداياته المباركة سلسلة إبادات جماعية في غزة وجنوب لبنان وامتدتْ إلى الساحل السوري ثم جبل الدروز. نظام إبادات يجري بسلاسة ويسر ودون إدانات حتى، وهو قابل للامتداد ويراد أن تتغير فيه خرائط وأنظمة ليكون متوافقاً مع مشروع تلموديّ من النيل للفرات لم يعد أصحابه يخفونه أو يتسترون عليه.
لماذا تعيب على الناشط تغيير موقفه والموضوع كله تغيّر؟ ولم يجري التعامل مع الناس في مواقفهم المتعلقة بالحقّ كما لو كانوا آلات أو أحجاراً صمّاء؟

الحقّ لا يؤخذ غفلاً بمعزل عن ظرفه وشروطه وزمانه ومكانه. والثبات على موقف واحد في مشهدين مختلفين تمام الاختلاف ليس سوى تصلّب طفولي وتحيّز بدائيّ أشبه ما يكون بتشجيع فرق كرة القدم: يتغير اللاعبون والمدربون ونتائج الفريق وتظل وفياً لشعار النادي.

مؤكد أن الأمر المتعلّق بتحكيم الضمائر ونشدان الحقّ لا يمكن أن يجري بهذه الخفة من التحيّز.
ومعيب أن يتحوّل نشدان الحق إلى “تشجيع”.

كان الشابّ المحتج محقاً في موقفه ضدّ إيران وقت الاحتجاجات، لكنّ استصحابه لهذا الموقف ذاته، الآن في هذا الظرف لن يجعله محقاً كما كان. اختلافك بديهيّ لأن الموضوع اختلف.
هنا نصيحة لا أظنّ أن أحداً سيسمعها:

لا تكرروا أخطاء القتلة الذين دافعوا عن مصالح الفاسدين بتقسيمهم العراقيين إلى جوكرية وولائيين. كانوا يدافعون عن موقع أقدامهم لا عن حقّ سامٍ ولا عن مبدأ عال. لأن صاحب المبدأ يرى الحقّ حتى وهو في حيازة خصمه.
لا تفعلوا مثلهم فتقسموا الناس اليوم إلى “وطنيين وتبعية” لمجرد أن بعضهم يتحسس خطراً كونياً سيلتهم كلّ شيء، ولأنهم يرون أن نهاية إيران وتقسيمها لن تكون إلا في صالح هذا المشروع الشيطانيّ الذي رأينا بداياته المتوحشة.
الوقوف مع إيران حقّ لأنه بداهةً يعني وقوفاً ضدّ هذا المشروع.
ومهما كان رأيك وموقفك “وأنت حرّ فيه طبعاً” لا تُعِبْ على من يريد الانتقال من التشجيع إلى تحرّي الحق والوقوف معه.
أكتب هذا وأعرف أنني سأكون مرمى لسهام الفرقتين ذواتي الهويتين الحجريتين من تشرينيين وولائيين.
لكنني حرّ
ومن حريتي أني أتفهم حرية الآخرين في توجيه بوصلتهم الأخلاقية حيث يشاؤون! | |🔸

زر الذهاب إلى الأعلى