فلسطين في العقل الاستراتيجي الصيني… من قضية شعب إلى عنوان لنظام عالمي جديد

اجنادين نيوز / ANN

بقلم : المهندس غسان جابر – الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.

بينما كانت الطائرات تقصف غزة، كانت الصين تراقب شيئاً أكبر من الحرب نفسها: النهاية البطيئة للعصر الأمريكي، وبداية الصراع على شكل العالم القادم.

فلسطين، في العقل الاستراتيجي الصيني، لم تعد مجرد قضية شعب تحت الاحتلال، ولا مجرد ملف إنساني يُناقش في الأمم المتحدة.
إنها واحدة من أهم ساحات اختبار النظام الدولي الجديد:
هل يبقى العالم خاضعاً لهيمنة أمريكية أحادية، أم يتجه نحو توازنات متعددة تقودها قوى صاعدة كالصين وروسيا ودول الجنوب العالمي؟

ولهذا، فإن قراءة الموقف الصيني من فلسطين بعين عاطفية فقط، هي قراءة ناقصة.
الصين لا تتحرك بدافع التضامن وحده، بل بدافع الاستراتيجية أيضاً.

في السنوات الأخيرة، تغيّر الخطاب الصيني تجاه القضية الفلسطينية بشكل واضح.
لم تعد بكين تكتفي بالحديث التقليدي عن “حل الدولتين” و”السلام العادل”، بل بدأت تربط فلسطين بمفاهيم أكبر: الهيمنة الغربية، ازدواجية المعايير، فشل المؤسسات الدولية، وحق شعوب الجنوب في إعادة صياغة النظام العالمي.

الصينيون يراقبون جيداً كيف تعامل الغرب مع حرب أوكرانيا، ثم كيف تعامل مع غزة.
وفي العقل السياسي الصيني، هذه ليست مجرد مفارقة أخلاقية، بل دليل على أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد حيادياً، بل تحول إلى أداة تخدم النفوذ الأمريكي والغربي.

ولهذا تظهر فلسطين في كثير من التحليلات الصينية باعتبارها “الجرح الذي كشف عطب النظام الدولي”.

الصين لا ترى في غزة مجرد حرب، بل ترى اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على الاستمرار كقائد أخلاقي للعالم.
وحين تعجز واشنطن عن فرض وقف إطلاق نار، أو تستخدم الفيتو لحماية إسرائيل، فإن بكين تعتبر ذلك فرصة استراتيجية لتقديم نفسها كقوة أكثر اتزاناً وأقل هيمنة.

هنا تحديداً تبدأ فلسطين بالتحول، في الرؤية الصينية، من قضية تحرر وطني إلى رمز عالمي لمقاومة الأحادية الأمريكية.

لكن المسألة بالنسبة للصين أعمق من السياسة وحدها.
فالشرق الأوسط بالنسبة لبكين ليس مجرد منطقة نزاعات، بل شريان اقتصادي حيوي لمستقبلها العالمي.

مشروع “الحزام والطريق”، الذي تسعى الصين من خلاله لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية، يحتاج إلى موانئ مستقرة، وطاقة آمنة، وممرات بحرية غير قابلة للاشتعال.
ولهذا تنظر بكين إلى فلسطين باعتبارها عقدة تؤثر على الاستقرار الإقليمي بأكمله.

كل حرب في غزة، وكل تصعيد في البحر الأحمر، وكل انفجار في لبنان أو الخليج، يعني بالنسبة للصين تهديداً مباشراً لمشروعها الاقتصادي العالمي.

بكلمات أخرى:
حين تتحدث الصين عن وقف الحرب في غزة، فهي لا تتحدث فقط بلغة حقوق الإنسان، بل أيضاً بلغة الاقتصاد، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والنفوذ العالمي.

ومن هنا نفهم لماذا تتحدث بكين عن “الاستقرار” أكثر من “المقاومة”، وعن “التنمية” أكثر من “الثورات”.
فالصين لا تريد شرقاً أوسطياً مشتعلاً، بل شرقاً يسمح بمرور التجارة والنفوذ والاستثمارات.

لكن الصين تختلف جذرياً عن الاتحاد السوفييتي القديم.
السوفييت تعاملوا مع فلسطين باعتبارها جزءاً من معركة أيديولوجية عالمية ضد الرأسمالية الغربية، ودعموا حركات التحرر بمنطق الثورة والسلاح والاستقطاب الحاد.

أما الصين، فهي أكثر براغماتية وهدوءاً.
لا تريد تصدير الثورات، ولا بناء محاور عسكرية صلبة، ولا الدخول في حرب باردة كلاسيكية.
هي تريد قيادة العالم عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والوساطات السياسية.

الصين لا تقدم نفسها كقائد للثورات، بل كقائد للاستقرار العالمي البديل.

ولهذا استثمرت بقوة في ملف المصالحة الفلسطينية.
فبكين تدرك أن أي حضور سياسي حقيقي لها في الشرق الأوسط يحتاج إلى بوابة فلسطينية، لأن فلسطين ما زالت القضية الأكثر قدرة على التأثير في الوعي العربي والإسلامي، رغم كل محاولات التهميش والتجاوز.

لكن الفلسطينيين يجب أن ينتبهوا جيداً إلى حقيقة مهمة:
الصين ليست جمعية خيرية سياسية، بل قوة عظمى تبني مصالحها.

هي قد تدعم الحقوق الفلسطينية، لكنها لن تدخل مواجهة مباشرة مع إسرائيل من أجل الفلسطينيين، ولن تضحي بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع تل أبيب.
الصين تتعامل بعقل الدولة الكبرى، لا بعقل الحركات الأيديولوجية.

ومع ذلك، يبقى التحول الصيني مهماً جداً للفلسطينيين، لأن العالم يتغير فعلاً.
وللمرة الأولى منذ عقود، لم تعد الرواية الأمريكية وحدها تسيطر على المشهد الدولي.

اليوم، هناك إعلام صيني وروسي ومنصات جنوب عالمية بدأت تطرح أسئلة مختلفة: من يملك تعريف الإرهاب؟
من يملك حق استخدام القوة؟
ولماذا يصبح الاحتلال “حقاً في الدفاع عن النفس” حين يتعلق الأمر بإسرائيل؟

هذه الأسئلة تعني أن ميزان القوة الرمزية في العالم بدأ يتحرك بالفعل.

لكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من النخب السياسية الفلسطينية ما زالت تفكر بعقل التسعينيات، وكأن واشنطن ما تزال العاصمة الوحيدة القادرة على إنتاج الحلول، بينما العالم كله يعيد تشكيل نفسه سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

النظام الدولي يتغير بسرعة، والتحالفات تنتقل شرقاً، ومراكز النفوذ يعاد توزيعها، بينما الفلسطينيون ما زالوا غارقين في الانقسام، والشيخوخة السياسية، وإدارة الأزمة بدل إعادة بناء المشروع الوطني.

المشكلة الحقيقية ليست في الصين ولا في أمريكا، بل في الفلسطينيين أنفسهم.
فالعالم يفتح نوافذ جديدة، لكن الفلسطينيين ما زالوا عاجزين عن بناء رؤية وطنية قادرة على استثمار هذه التحولات.

الصين قد تفتح نافذة، لكنها لن تبني البيت الفلسطيني.
وروسيا قد تستخدم القضية الفلسطينية في صراعها مع الغرب، لكن ذلك لن يصنع مشروعاً وطنياً فلسطينياً.
وأمريكا قد تتراجع، لكن الفراغ لا يملؤه الضعفاء.

في السياسة، لا يكفي أن تكون قضيتك عادلة… بل يجب أن تكون قادراً على العيش داخل ميزان القوة الجديد.

فالتاريخ لا ينتظر الشعوب المترددة، والعالم الجديد لا يحجز مقاعده للمتأخرين.

م. غسان جابر – فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى