حدود القوة الأمريكية وعيون بكين التي لا تغفل

اجنادين نيوز / ANN

بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

هل بدأت واشنطن تدفع ثمن سياساتها التي اعتمدت طويلاً على منطق القوة، أم أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد اللعبة الدولية؟
ما يجري اليوم في أوكرانيا وقطاع غزة والبحر الأحمر لا يمكن قراءته باعتباره مجرد أزمات إقليمية منفصلة، بل هو جزء من مشهد عالمي يكشف حدود القوة الأمريكية وقدرتها على إدارة ملفات متعددة في وقت واحد. فمنذ انتهاء الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على النظام الدولي، سادت قناعة بأن واشنطن قادرة على التأثير في مختلف مناطق العالم، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن إدارة النفوذ العالمي ليست مهمة سهلة، وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار.
في خضم هذا المشهد، تقف الصين تراقب التحولات بعين استراتيجية هادئة. فبكين لا تنظر إلى الأحداث باعتبارها أزمات عابرة، بل تراها مؤشرات على تغير أوسع في موازين القوة الدولية. وهي تتابع كيف تتعامل واشنطن مع تحديات متزامنة، وتستخلص الدروس حول مستقبل النظام العالمي وطبيعة المنافسة بين القوى الكبرى.
الرؤية الصينية لا تقوم فقط على انتظار تراجع الآخرين، بل على بناء مقومات القوة الخاصة بها. فالصين تدرك أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يعتمد على السلاح وحده، وإنما على الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار وبناء الشراكات الدولية. ولهذا تسعى بكين إلى تقديم نموذج يقوم على التنمية والتعاون والاستثمار، باعتبار أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضاً بقدرتها على صناعة المستقبل.
قضية تايوان واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الصينية الأمريكية. فبكين تنظر إلى هذا الملف باعتباره شأناً سيادياً مرتبطاً بمبدأ الصين الواحدة، وترى أن الحوار هو الطريق الأفضل لمعالجة الخلافات بعيداً عن التصعيد. وفي المقابل، فإن أي توتر حول هذه القضية قد يفتح الباب أمام أزمة دولية واسعة، نظراً لأهميتها الجيوسياسية وتأثيرها على الأمن والاستقرار في المنطقة.
ومع ذلك، فإن الصراع بين واشنطن وبكين ليس بالضرورة مساراً حتمياً نحو المواجهة، بل هو منافسة استراتيجية طويلة الأمد تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية. فالعالم اليوم لا يتجه بالضرورة إلى استبدال قوة عظمى بأخرى، بل نحو نظام أكثر تعقيداً تتعدد فيه مراكز التأثير، وتصبح فيه القدرة على بناء التحالفات وإدارة العلاقات عاملاً حاسماً في تحديد مكانة الدول.
لقد أثبت التاريخ أن القوى الكبرى لا تفقد مكانتها فقط بسبب خصومها، بل عندما تعجز عن قراءة التحولات من حولها. فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما تصبح أدواتها القديمة غير قادرة على التعامل مع واقع جديد. وفي المقابل، فإن القوى الصاعدة لا تحقق مكانتها بالخطابات، بل بقدرتها على الاستمرار وبناء نموذج يثبت نجاحه على أرض الواقع.
إن العالم اليوم يقف أمام مرحلة انتقالية تتراجع فيها فكرة القطب الواحد، وتظهر ملامح نظام دولي أكثر تعددية. وفي هذا التحول، لن يكون الحسم لمن يمتلك أكبر ترسانة عسكرية فقط، بل لمن يمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وقدرة على تحقيق التنمية، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تتراجع القوة الأمريكية؟ بل هل يستطيع العالم بناء نظام أكثر توازناً وعدلاً بعيداً عن منطق الهيمنة والصراعات المفتوحة؟ الصين تراقب التحولات وتبني خياراتها بهدوء، بينما تواجه واشنطن اختباراً صعباً للحفاظ على موقعها في عالم لم يعد كما كان.
فالتاريخ لا يتوقف عند قوة صاعدة أو قوة متراجعة، بل يفتح دائماً أبوابه أمام من يملك القدرة على فهم العصر وصناعة المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى